النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٥١٢

512

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

هذا، وما تقدم يدلّ أن الاحتياط يتردد بين كونه واجباً وبين كونه مندوباً إلا أننا من خلال الشروط التي اشترطت في العمل بالاحتياط يمكن أن نستنبط أن الاحتياط قد يكون محره محرماً كما في الحكم القضائي، حيث لا يجوز للقاضي أن يخالف الرأي الذي يراه أصوب إلى الرأي الأحوط؛ لأنَّه مأمور بأن يحكم بالعدل، فإذا كان يرى أن الأصوب كذا، فما عداه يكون جوراً وظلماً، وقد يكون العمل بالاحتياط مكروهاً كما لو خيف منه أن يؤدّي إلى وسوسة أو تفويت أمر أفضل منه. ولعل السبب في قصر بعض أهل العلم حكم الاحتياط بين الواجب والمندوب أنهم قصدوا بيان حكم الاحتياط الذي تحققت شروطه المحمودة شرعاً، أما غير ذلك فلا يعدونه احتياطاً؛ لأنَّه مذموم شرعاً، وإنما تعرضت له طلباً للإيضاح وتبييناً أن ما لم تتحقق شروطه يتردد بين الكراهة

والتحريم.

ولم يتبين لي حالة يكون فيها الاحتياط مباحاً، فهو إما أن يكون محموداً فيتردّد بين الوجوب والندب وإما أن يكون مذموماً فيتردّد بين الحرمة والكراهة، والله أعلم.

الفصل الثالث:

أثر الاحتياط في التقعيد الأصولي والفقهي ونماذج تطبيقية له

المبحث الأول: أثر الاحتياط في التقعيد الأصولي

لقد كان للاحتياط دور بارز في تأصيل كثير من القواعد الأصولية أو تأكيدها أو ترجيحها على غيرها من القواعد، سواء كانت في مباحث الألفاظ أم مباحث الأدلة، أم في مباحث التعارض والترجيح، وسأعرض في هذا المبحث بعض القواعد التي كان لاحتياط الإباضية أثر في تأصيلها والأخذ بها.

القاعدة الأولى: دلالة الأمر على الفور:

اختلف الأصوليون في الأمر إذا لم يكن مقيداً بوقت أيجب فعله على الفور إذا لم يرد ما يدل على جواز تأخيره أم يجوز فيه التراخي؟ فذهب فريق منهم: إلى وجوب أدائه على الفور. وذهب آخرون إلى جواز التراخي في أدائه وجمهور الإباضية كما نقل عنهم ابن بركة على جواز تأخيره حيث قال: «والذي يذهب إليه شيوخنا والأشبه بأصول أئمتنا أن الأمر إذا ورد بفعل قد خُصَّ بوقت فللمأمور اتِّباعه في أوله أو وسطه أو آخره، وتعجيل الفعل في أول الوقت أفضل، وإذا ورد الأمر بفعل