النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٥١٤

514

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الخامس: ما كان على غير الأنواع الأربعة المتقدمة، وهو إما أن يعلم صفته من وجوب أو ندب أو إباحة، وإما أن لا يعلم، فإن علم فحكمه على ما علم، وإن لم يعلم فقد اختلف الأصوليون في حكمه، فقيل: يحمل على الوجوب. وقيل: يحمل على الندب وقيل: على الإباحة. وقيل: بالوقف. وقد اختار الإمام السالمي حمله على الندب؛ لأن أفعاله صلى الله عليه وسلم شرع له ولغيره، إلا ما قام الدليل بخصوصيته به فترفعنا به عن المباح لثبوت المزية له على غيره، ولقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: 21)، ولم نبلغ به درجة الوجوب؛ لأنَّ الوجوب أمر إلزامي لا يثبت إلا بدليل، ولم يكف في إثباته هذا الفعل الوارد عنه؛ لثبوت هذه الاحتمالات فيه، وأيضاً فلو كان واجباً علينا لكان تبليغه لازماً، فسقط الوجوب، والله أعلم». بينما ذهب القطب إلى حمله على الوجوب احتياطاً حيث قال: «وَإِنْ جُهِلَتْ صِفَتُهُ مِنْ وُجُوبٍ نَدْبٍ أَوْ إِبَاحَةٍ فَلِلْوُجُوبِ فِي حَقِّهِ صلى الله عليه وسلم وَحَقْنَا؛ لأنَّهُ الأَحْوَطُ».

- القاعدة الثالثة: الترجيح بالأحوط في الحكم عند التعارض:

لقد كان مسلك الإباضية في تعاملهم مع الأدلة التي في ظاهرها التعارض مسلك الحنفية، حيث حكموا بنسخ المتأخر للمتقدم إن علما، وإن لم يعلما وأمكن الجمع جمع بينهما وإلا صير إلى ترجيح بعضها على بعض، هذا الذي ذكره الإمام السالمي في طلعته (3)، وإن كانوا كثيراً ما يلجأون إلى الجمع قبل النسخ في تطبيقاتهم الفقهية، ومهما يكن فإن بحثنا حول أثر الاحتياط على قواعد الترجيح، والترجيح إما أن يكون من جهة المتن، وإما أن يكون من جهة الإسناد، وإما أن يكون من جهة الحكم، وأكثر ما ظهر في الاحتياط هو الترجيح من جهة الحكم؛ لذا سيكون الكلام عليه مقتصراً على أربع قواعد (4)

:

القاعدة الأول: ما دلّ على التحريم مقدم على ما دل على الإباحة أو الكراهة وذلك؛ لأنَّ الأخذ بالحظر أحوط، والحيطة مطلوبة منا شرعاً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».

الله

القاعدة الثانية: ما دل على الوجوب مقدّم على ما دل على الندب أو الإباحة أو الكراهة؛ لأنَّ الوجوب أحوط، فإذا تعارض دليلان يقتضي أحدهما الوجوب والآخر الندب أو الإباحة أو الكراهية كما قدَّمْنَا ما يَدُلُّ على الوجوب على جميع المذكورات للاحتياط المذكور.

(1) السالمي، طلعة الشمس، ج 2، ص 89. (2) أطفيش، شرح كتاب النيل، ج 17، ص

485

(3) السالمي، طلعة الشمس، ج 2، ص 297.

(4) السالمي، طلعة الشمس، ج 2، ص 313 - 314.