النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥١٥مدخل إلى نظرية الاحتياط عند الإباضية
عبد الله
بن
أحمد بن سعيد السليمي
515
القاعدة الثالثة: ما دل على درء الحدّ مُقَدَّم على الدال على ثبوته؛ لأنَّ الحدود تدرأ بالشبهات، وَلأَنَّ الخطأ في ترك الحدّ أهون من الخطأ في فعله، ولا شَكٍّ أنَّ الخبر المقتضي لسقوط الحدّ يورث شبهة، فيسقط به الحد.
القاعدة الرابعة: الخطاب المقتضـ للتكليف فيه من الاحتياط المطلوب شرعاً.
مقدم على الخطاب المقتضي لوضع التكليف لما
المبحث الثاني: أثر الاحتياط في التقعيد الفقهي
في هذا المبحث سنتناول بعض القواعد الفقهية التي كان للاحتياط أثر في تأصيلها أو تأكيدها أو ترجيحها على غيرها من القواعد، وسأقتصر في الكلام على ثلاث قواعد:
- القاعدة الأولى: إذا أعمرت الذمة بيقين فلا تبرأ إلا بيقين
عبر العلامة ابن بركة عن هذه القاعدة بقوله: « … فإن الذمة إذا لزمها فرض عمل لم يزل الفرض إلا بأدائه، وأصل هذه القاعدة حديث أبي سعيد الخدري في سجود السهو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا شَكٍّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلاثاً أَمْ أَرْبَعاً؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّلَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلَّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْساً شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِثْمَاماً لَأَرْبَعِ كَانَتَا تَرْغِيماً لِلشَّيْطَانِ»، ومعناها: أن المكلف لا تبرأ ذمته مما شغلت به يقيناً إلا إذا أنه أدى ذلك الأمر، وقد تفرّعت عن هذه القاعدة كثير من الفروع منها إذا نسي صلاة ولم يعرفها؛ فعليه أن يصلي خمس صلوات حتى تبرأ ذمته، ومنها: إذا وقعت في ثوبه أو بدنه نجاسة ولم يعلم موضعها عليه أن يغسل جميع البدن والثوب؛ لأنَّه لا يتيقن زوال النجاسة إلا بغسله كله. ومنها: إذا شك هل توضأ أم لم يتوضّأ، أو هل صلّى أم لم يصل؟ وجب عليه الوضوء والصلاة؛ لأنَّ تيقن وجوب ذلك عليه ولم يتقين ارتفاعه عنه.
تيقن
وقد تقدم سابقا أن من طرق الاحتياط البناء على اليقين، وتبين وجه الاحتياط فيه.
- القاعدة الثانية: إذا اجتمع المحرّم والمبيح قدّم المحرّم
أصل هذه القاعدة حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الحلال بيّن والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات
لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع
(1) ابن بركة كتاب الجامع، ج 1، ص 501.
(2) تقدم تخريجه.