النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥١٦516
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن
(1)
الله محارمه، ألا حمى وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ()، وقد عرَّف قطب الأئمة المشتبه به بأنه ما تجاذبه سببان متعارضان يؤديان إلى وقوع التردد في حله وحرمته، وقسمه إلى أربعة أقسام:
الْأَوَّلُ: الشَّتُ في الْمُحَلَّلِ وَالْمُحَرَّمِ، فَإِنْ تَعَادَلَا اسْتَصْحِبَ السَّابِقَ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَقْوَى لِصُدُورِهِ عَنْ دَلَالَةٍ مُعْتَبَرَةٍ فِي الْعَيْنِ فَالْحُكْمُ لَهُ، فَلَوْ رَمَى صَيْداً فَجَرَحَهُ فَوَقَعَ فِي مَاءٍ أَوْ إِنَاءٍ أَوْ عَلَى سَطْحِ أَوْ جَبَلٍ فَسَقَطَ مِنْهُ أَوْ عَلَى شَجَرَةٍ فَضَرَّهُ غُصْنُهَا، أَوْ أَرْسَلَ كَلْباً وَشَارَكَهُ فِيهِ كَلْبٌ آخَرُ وَشَكٍّ فِي قَاتِلِهِ مِنْهُمَا؛ لأَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ التَّحْرِيمُ أَيْ لأَنَّهُ شَاهَدَ قَاتِلاً مُحَرَّماً وَهُوَ الْمَاءُ أَوْ نَحْوُهُ فَلَا يَزُولُ الْأَصْلُ بِالشَّلِّ فِي الْمُبِيحِ، فَلَوْ جَرَحَ طَيْرَ الْمَاءِ وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ وَمَاتَ، أَوْ جَرَحَهُ وَهُوَ خَارِجُ الْمَاءِ فَوَقَعَ فِيهِ حَلَّ. الثَّانِي: الشَّتُ في طُرُوءِ مُحَرَّم عَلَى الْحِلِّ الْمُتَيَقَّنِ فَالْأَصْلُ الحِلُّ، فَلَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ الطَّائِرُ غُرَاباً فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، وَقَالَ آخَرُ: إِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، وَالْتَبَسَ أَمْرُهُ لَمْ يَقْضِ بِالتَّحْرِيمِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْأَصَحَ؛ لأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَلَى يَقِينِ الْحِلٌّ بِالنَّظَرِ إِلَى نَفْسِهِ إِذْ لَمْ يُعَارِضْهُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ وَحْدَهُ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا عَارَضَهُ يَقِينُ التَّحْرِيمِ بِالنَّظَرِ إِلَى ضَمٌ غَيْرِهِ إِلَيْهِ، وَلَا مُسَوّغَ لِهَذَا الضَّمِّ؛ لأَنَّ الْمُكَلَّفَ إِنَّمَا يُكَلِّفُ بِمَا يَخُصُّهُ عَلَى انْفِرَادِهِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ قَالَهُمَا وَاحِدٌ فِي زَوْجَتَيْهِ كَأَنْ عَلَّقَ طَلَاقَ إِحْدَاهُمَا بِكَوْنِهِ غُرَاباً وَالْأُخْرَى بِكَوْنِهِ غَيْرَهُ لَزِمَهُ اجْتِنَابُهُمَا؛ لأنَّ إحْدَاهُمَا طَلُقَتْ مِنْهُ يَقِيناً، وَأَصْلُ الْحِلٌّ فِيهَا عَارَضَهُ يَقِينُ التَّحْرِيمِ فِي إِحْدَاهُمَا بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ وَحْدَهُ فَارْتَفَعَ بِهِ ذَلِكَ الْأَصْلُ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ التَّحْرِيمَ ثُمَّ يَطْرَأُ مَا يَقْضِي الْحِلَّ بِظَنُّ غَالِبٍ، فَإِنْ أَعْتُبِرَ سَبَبُ الظَّنِّ شَرْعاً وَأُنْغِيَ النَّظَرُ لِذَلِكَ الْأَصْلِ وَإِلَّا فَلَا، فَلَوْ أَرْسَلَ كَلْبِاً عَلَى صَيْدٍ ثُمَّ غَابَ عَنْهُ بَعْدَ جُرْحِهِ حَلَّ إِنْ كَانَ الْجُرْحُ قَاتِلاً سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ أَثَرُ غَيْرِهِ أَمْ لَا، وَكَذَا إِنْ كَانَ الْجُرْحُ غَيْرَ قَاتِلٍ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ أَثَرُ غَيْرِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ غَابَ عَنْهُ قَبْلَ جُرْحِهِ ثُمَّ وَجَدَهُ مَجْرُوحاً مَيْتاً فَإِنَّهُ يَحْرُمُ وَإِنْ نَضَحَ الْكَلْبُ بِدَمِهِ، وَلَوْ وُجِدَتْ شَاةٌ مَذْبُوحَةٌ وَلَمْ يَدْرٍ مَنْ ذَبَحَهَا فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْبَلَدِ مُسْلِمِينَ فَقَطْ أَوْ كَانُوا أَغْلَبَ حَلَّتْ، وَإِنْ كَانَ الْمَجُوسُ أَكْثَرَ أَوْ اسْتَوَيَا حَرُمَتْ؛ لأنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ حِينَئِذٍ وَلَمْ يُعَارِضْهُ أَقْوَى مِنْهُ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ ذَبِيحَةَ الْمَجُوسِ لَا تَحِلُّ، وَالصَّحِيحُ الْحِلٌّ إِنْ كَانُوا يُعْطُونَ الْجِزْيَةَ.
الرَّابِعُ: أَنْ تَعْلَمَ الْحِلَّ وَيَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ طُرُوءُ مُحَرَّمٍ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَنِدْ غَلَبَتُهُ لِعَلَامَةٍ تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِهِ لَمْ تُعْتَبَرْ وَمِنْ ثَمَّ حَكَمْنَا بِطَهَارَةِ ثِيَابِ الْخَمَّارِينَ أَوْ الْجَزَّارِينَ وَالْكُفَّارِ وَالْمُتَدَيَّنِينَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَسِ،
(1) تقدم تخريجه.