النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥١٧مدخل إلى نظرية الاحتياط عند الإباضية
عبد الله
بن
أحمد بن سعيد السليمي
517
-
وَإِنْ اسْتَنَدَتْ لِعَلَامَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِعَيْنِهِ اعْتَبَرُوا لَغْيَ أَصْلِ الْحِلِّ؛ لأنَّهَا أَقْوَى مِنْهُ فَلَوْ وَجَدَ ظَبْيَةً تَبُولُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ فَوَجَدَهُ عَقِبَ الْبَوْلِ مُتَغَيِّراً فَشَكَ هَلْ تَغَيَّرَ بِهِ أَوْ بِمُكْثٍ مَثَلاً وَأَمْكَنَ تَغَيُّرُهُ بِهِ فَهُوَ نَجِسٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَجَدَهُ مُتَغَيِّراً بَعْدَ مُدَّةٍ، أَوْ وَجَدَهُ عَقِبَ غَيْر مُتَغَيِّرِ ثُمَّ ظَهَرَ التَّغَيُّرُ أَوْ لَمْ يُمْكِنُ التَّغَيُّرُ بِهِ لِقِلَّتِهِ وَأَنَّهُ طَاهِرٌ عَمَلاً بِالْأَصْلِ الَّذِي لَمْ يُعَارِضْهُ حِينَئِذٍ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ».
القاعدة الثالثة إقامة الحدود لا تكون إلا لأئمة العدل
نص على هذه القاعدة ابن بركة في كتابه الجامع وحكى إجماع علماء المذهب عليه، ومعناها: أنه لا يجوز رفع القضايا لغير أئمة العدل حتى لا يحكموا فيها بغير حكم الله تعالى، قال ابن بركة: «فإن قال: فما أنكرتكم أن يكون الرّفعان إلى الجبار غير جائز؟ قيل له: لسنا نجيز الرفعان إليه إلا في ما يكون الحق فيه واحداً، فإن قال: ولِمَ لا يجيز الرفعان إليه في جميع الحقوق التي ليست بحدود؟ قيل له: إنَّما لم يجز ذلك؛ لأن لا يحكم على المسلمين برأيه؛ لأنه ليس من أهل الرأي، وأن طاعته غير واجبة على المسلمين، وإن كان ذلك كذلك فلأحد الخصمين أن يأخذ بغير رأي هذا الحاكم ممن يكون له الرأي فيمتنع من قبول حكمه عليه» (2).
وواضح من كلام ابن بركة أن علة حرمة رفع القضايا لغير العادل من الحكام هو خشية أن يخالف أحكام الشريعة ويحكم بما يملي عليه هواه، وهذه نزعة احتياطية احترازية لذلك استثنى من ذلك ما كان فيه الحق واحداً، حيث لا خشية هنا من مخالفة الشرع.
وكذلك لا يجوز تقليدهم في شيء من الأحكام إلا في ما وافق فيه الحق، قال ابن بركة: «فإن قال: فهل تقلده في شيء من الأحكام؟ قيل له: لا، ولا نحتكم إليه في ما لا نعرفه، فإن قال: فهل للعوام أن يحتكموا إليهم في ما لا يعرفون العدل فيه؟ قيل له: لا يجوز للعوام أن يحتكموا إليهم إلَّا في ما يعرفون العدل فيه من قول المسلمين؛ لأنَّ الجبار غير مأمون في حكم ولا هو للحكم أهلاً» (3).
وليس كل الإباضية متفقين على هذه القاعدة، ولكنه رأي أكثرهم كما يحكيه عنهم المحقق الخليلي)، وذهب بعضهم إلى جواز ذلك، ولعله رأي الإمام جابر بن زيد، فقد «روي في كِتاب أبي سفيان عن عبد الملك بن مروان والأعرابي الذي نكح امرأة أبيه فأتى به عبد الملك فقال له: ما لك نكحت أمك؟ فقال: ليست بأمِّي، وَإِنَّمَا هي امرأة أبي، فظننت أَنَّهَا لي حلال، فضرب عنقه، وقال:
(1)
أطفيش، شرح كتاب النيل، ج 17، ص 96 - 98.
(2) ابن بركة كتاب الجامع، ج 1، ص 184
(3) المصدر السابق، ص 187 - 188.
(4) الخليلي، سعيد بن خلفان نسخة إلكترونية، ص 197.