النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥١٨518
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
لا جهل ولا تجاهل في الإسلام، فبلغ ذَلِكَ أبا الشعثاء فقال: أجاد عبد الملك، أو قال: أحسن. قال الإمام السالمي: وَفي هَذَا الأثر أيضاً ما يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جائز للجبابرة إقامة الحدود».
المبحث الثالث: نماذج تطبيقية للاحتياط من الفقه الإباضي
لقد تعرّض البحث في ثناياه إلى كثير من التطبيقات العملية التي كان للعمل بالاحتياط دور في الأخذ والإفتاء بها، إلا أني أحببت أن أورد بعض النماذج في مبحث خاص لنقف على دور الاحتياط فيها بصورة أوضح، ونتبين مدى قوة العمل به، وصحة الأخذ به عند علمائنا، وسأذكر ثلاثة نماذج مما اشتهر بها الإباضية، وكان للاحتياط دور في تأصيلها.
المسألة الأولى: فيمن أصبح جنباً أصبح مفطراً
اختلف أهل العلم في حكم صيام من تعمد تأخير الغسل حتى أصبح جنباً، فذهب الإباضية: إلى فساد صومه، وحكى ابن بركة إجماع علمائنا على ذلك، وروى الربيع بن حبيب عن عروة بن الزبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي وجملة من الصحابة والله أنهم يقولون: «من أصبح جنباً أصبح مفطراً» (2)، وذهب الجمهور من المذاهب الأربعة إلى أن صومه صحيح ولا قضاء عليه.
وقد استدل الإباضية على قولهم بحديث أبي هريرة عند الربيع بن حبيب قال: قال رسول الـ الله: «من أصبح جنباً أصبح مفطراً» (3). واستدل غيرهم بحديث عائشة وأم سلمة (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً من جماع غير احتلام، ثم يصوم في رمضان» (4).
وقد اختلف الجمهور في تعاملهم مع الحديثين، فمنهم من سلك مسلك الجمع فحمل حديث أبي هريرة على الاستحباب والإرشاد إلى الأفضل دون اللزوم، ومنهم من سلك مسلك الترجيح فرجح حديث عائشة وأم سلمة على حديث أبي هريرة؛ لأنَّ رواية الاثنين مقدمة على رواية الواحد لا سيما أن الراوي زوجتان.
ورأى بعضهم أن حديث أبي هريرة منسوخ بحديث عائشة وأم سلمة؛ لأنَّ الله تعالى عند ابتداء فرض الصيام كان منع في ليل الصوم من الأكل والشرب والجماع بعد النوم.
(1) السالمي، مشارق الأنوار، ج 1، ص 251.
(2) أخرجه الربيع الترتيب، كتاب الصوم، باب ما يفطر الصائم ووقت الإفطار والسحور، ص 146،
ح رقم 319. (3) أخرجه الربيع، الترتيب، كتاب الصوم، باب ما يفطر الصائم ووقت الإفطار والسحور، ص 146، ح رقم 318.
(4) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب الصائم يصبح
جنباً،
ص 255
ح رقم 1925.