النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥١٩مدخل إلى نظرية الاحتياط عند الإباضية
عبد الله
بن
أحمد بن سعيد السليمي
519
قالوا: فيحتمل أن يكون حديث أبي هريرة كان حينئذ، ثُمَّ أباح الله ذلك كله إلى طلوع الفجر، فكان للمجامع أن يستمر إلى طلوعه، فيلزم أن يقع اغتساله بعد طلوع الفجر، فدل على أن حديث عائشة ناسخ لحديث أبي هريرة، ولم يبلغ أبا هريرة الناسخ فاستمر أبو هريرة على الفتيا به
أما الإباضية فلم يرتضوا ما قاله الجمهور، ورأوا أن العمل بمقتضى حديث أبي هريرة أولى لعدة أمور (2):
إنه حديث قولي وحديث عائشة وأم سلمة فعلي، والقول مقدم على الفعل عند التعارض كما تقرر في كتب الأصول.
إنه حديث مثبت لحكم شاغل للذمة، وحديث عائشة على البراءة الأصلية؛ وما كان مثبتاً للحكم مقدّم على ما كان رافعاً له كما تقرّر عند التعارض.
إنه حديث محرّم وحديث عائشة وأم سلمة مبيح، وإذا تعارض محرّم ومبيح قدم المحرم. إن الحيض والنفاس مفسدان للصوم بإجماع، وعلّة إفسادهما كونهما حدثاً أكبر؛ فوجب أن تكون الجنابة مفسدة كذلك؛ لأنها حدث أكبر (3).
وقد أجابوا أن حمل حديث أبي هريرة على الاستحباب غير ظاهر؛ لأنَّه خلاف الأصل، بل إنه يدل دلالة واضحة على الوجوب كما لا يمكن القول بأنه منسوخ إذ لا دليل على النسخ، ولا يصح أن يكون حديث عائشة وأم سلمة ناسخاً؛ لأنَّه أمر خاص غير ظاهر للناس، فكيف يكون ناسخاً لما علموه من حديث أبي هريرة، على أنه لا دليل على تأخر حديث عائشة على حديث أبي هريرة، والنسخ لا يكون بالاحتمال (4).
هذا، ودور الاحتياط في ترجيح هذا الرأي واضح من خلال تقديم المحرّم على المبيح، والشاغل للذمة على ما كان على البراءة الأصلية؛ فضلاً على كون الأخذ به خروجا من الخلاف، لذلك يقول العلامة أبو الحسن ورأينا) قول من أوجب الاغتسال بالليل أحوط» (5).
(1) العسقلاني، أحمد بن علي، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج 4، ص 148، المكتبة السلفية، د. ط، د. ت. (2) السالمي، معارج الآمال، ج 8، ص 301.
(3) وهناك دليل آخر أوضح من رابعة النهار يغفل عنه كثير من الفقهاء في هذا الاستدلال، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بقيام الليل نصفه أو أقل أو أكثر وخاصة في رمضان حيث يجتهد في العبادة، كما يتوقع لنزول الوحي عليه في أي وقت من ليل أو نهار؛ فكيف يبقى جنباً أو وهو مدرك لذلك؟! فكيف يصح قبول هذه الرواية إلا أن يكون لها مدلول آخر لم يكشفوا
يصبح
جنباً كنهه، والله المستعان. (المراجع)
(4) المعولي، المعتصم بن سعيد المعتمد في فقه الزكاة والصوم، ص 281 282، ط 1، 1431 هـ /2010 م.
(5) البسيوي، جامع أبي الحسن، ج 2، ص 1246.