النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٥٢٠

520

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

المسألة الثانية: عدة الحامل المتوفى عنها زوجها

اختلف أهل العلم في عدة الحامل إذا تُوفّي عنها زوجها؛ فذهب جمهور الإباضية إلى أنها تعتد بأبعد الأجلين (أجل الوضع وأجل أربعة أشهر وعشراً) وروي هذا القول عن علي بن أبي طالب وابن

وهاهنا

عباس. وذهب غيرهما: إلى أن عدتها تنتهي بوضع حملها ولو كان بعد ساعة من وفاة زوجها. وقد بنى الإباضية قولهم بالجمع بين الآيتين: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 1234، وَأُولَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 14، حيث إن كل آية أوجبت عليها عدة، ولا يمكن العمل بأحدهما من دون الأخرى فوجب القول بأبعد الأجلين. قال أبو، ستة في حاشيته على الترتيب: «لأنَّ الدليلين إذا كان كل واحد منهما عاماً من وجه وخاصاً من وجه؛ فإنه يخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر، عملاً بالدليلين معاً، كذلك، فإن قوله: {وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ظاهرها العموم في كل حامل فيخص بقوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) وهذه الآية ظاهرها العموم في كل متوفّى عنها زوجها، حاملاً كانت أو غير حامل، فيخص عمومها بقوله: {وَأُولَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، فلا بد من وضع الحمل، وإن زادت على الأربعة أشهر وعشر فقد عمل بخلافه على مذهب غيرهما، فإنه عُمل فيه بعموم آية الطلاق فقط والله أعلم. واستدل الآخرون بحديث ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: اخْتَلَفْتُ أَنَا وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الْمَرْأَةِ الْحَامِل إِذَا وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، قَالَ: فَقُلْتُ: عِدَّتُهَا آخِرُ الأَجَلَيْنِ، فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: إِذَا وَضَعَتْ حَلَّتْ، فَجَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَسُئِلَ فَقَالَ: أَنَا مَعَ أَبِي سَلَمَةَ، فَبَعَثْنَا كُرَيْباً مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: وَلَدَتْ سُبَيْعَةُ الأَسْلَمِيَّةُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «قَدْ حَلَّتْ» (2).

بالدليلين

1911

معاً،

وقد أجاب الإباضية عن هذا الحديث بأنه رخصة خاصة بها، واستأنس الإمام السالمي لذلك بما في بعض الروايات: عن أبي السنابل أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «فانكحي من شئتِ ولو رغم أنف أبي السنابل»، وذلك أنَّه لَمَّا ولدت شبيعة بعد زوجها خطبها رجلان أحدهما شاب والآخر كهل، وَهُوَ أبو السنابل، فمالت إلى الشاب، فقال أبو السنابل: لم تحلّي بعد، وكان أهلها غُيَّباً، ورجا إذا جاء أهلها أن يؤثروه بها، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «قد حللت فانكحي من شئتِ»، فهذا يدلُّ أنَّ الترخيص كان لها لأجل إرغام أبي السنابل» (3).

(1) السدويكشي، أبو ستة محمد بن عمر، حاشية الترتيب، ج 4، ص 219 وزارة التراث القومي والثقافة، د ط، 1402 هـ/1982 م. (2) أخرجه الربيع، الترتيب، كتاب النكاح، باب الحداد والعدة، ص 248، ح رقم 546.

(3) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 3، ص 117.