النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٢٥فقه السنن الكونية والسنن التشريعية
أ. د. العروسي الميزوري
525
كان الشقي ميسوراً ومن دون تعب ومشقة في الشقي. ويطلق التشريع في اللغة أيضاً على السنّ، ومنه تشريع القوانين وعلى الوضع والأخذ، وهو مرادف للاجتهاد والاستنباط وما كان بها شبيهاً من المعاني المجاورة.
ج
صلے
ويطلق التشريع في الاصطلاح على معنيين ويفيد المعنى الأوّل: وضع شريعة مبتدأة: أي سن شريعة كاملة جديدة، وهذا في الإسلام من شأن الله وأمره. يقول تعالى في هذا السياق: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الفصلينَ﴾ [الأنعام: 157. ويقول أيضاً: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا وَاخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: 188. أما المعنى الثّاني، فيعني اعتماد حكم من شريعة قائمة. ويرادف التشريع بهذا المعنى الاجتهاد ويكافئه بمعنى أنّه عمل داخل الشريعة يُعنى باستنباط الأحكام وتقعيد القواعد المساعدة في ذلك وبناء الأحكام من تلك الشريعة، وهو عمل ضخم مهم داخل الشريعة يقوم به العلماء المجتهدون وقد أشار إلى ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرُ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَنَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83].
صلے
تلے
ويقصد بالسنن التشريعيّة: السنن الموافقة لمنطوق النّصّ القرآني وصحيح السنة النبوية. إنّها الأحكام المستمدة من الكتاب والسُّنَّة، والتي تتميّز بمنطق الإحكام نفسه الموافق للفطرة البشرية والطبيعة الاجتماعيّة من حيث مصلحة البشر مثلها في ذلك مثل إحكام السنن الطبيعية والكونية.
ج فقه السنن الكونيّة والسنن التشريعية
ويعني هذا النوع من الفقه استقراء أسرار الكون والتاريخ والحضارات من أجل الكشف عن أصول الأحكام الإلهية ودعائمها في مجالي الطبيعة والمجتمع. ويقصد بسنن الله: القوانين الحاكمة في الحركة البشرية وحركة التاريخ. وقد أثبت الكثير من علماء الدين من محققين وفقهاء أن استقراء أحكام الشرع وتصرّفات الشارع والسنن التشريعية تدل دلالة لا تبعد عن القطع أن الله تعالى شرّع أحكامه لمصالح العباد في الدارين: الأولى والآخرة. قال البيضاوي في مؤلّفه (المنهاج): «الاستقراء دلّ على أنّ الله تعالى شرّع أحكامه لمصالح العباد تفضّلاً». وقال محمّد الطاهر ابن عاشور في هذا السياق نفسه: «وللاستقراء أدلّة كثيرة من القرآن والسُّنَّة الصحيحة، يوجب لنا اليقين بأن أحكام الشريعة الإسلامية منوطة بحِكَم وعِلَلٍ راجعة للصلاح العام للمجتمع والأفراد».
(1) البيضاوي: منهاج الوصول، ج 3، ص 62.
(2) ابن عاشور؛ محمّد الطّاهر: مقاصد الشريعة الإسلاميّة، المؤسّسة الوطنية للكتاب، الجزائر، الشركة التّونسيّة للتوزيع، ص 14.