النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٢٦526
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
ومن خلال ما تقدّم، يمكن تصنيف السنن إلى سنن كونيّة، وهي القوانين العامة والثابتة، وسنن تشريعية، وهي تتوزّع إلى سنن خارقة وسنن حكميّة.
2) في السنن الكونية:
يطلق على هذا النّوع من السنن أيضاً، سنن جارية وهي ما يعرف بالقوانين، وهي الأصل في حياة الإنسان، إذ بواسطة هذه السنن أي القوانين يستقيم الكون وتستمرّ الحياة. وفي هذا الإطار بالذات، أشار القرآن الكريم إلى أنّ الله خلق الكون وفق نظام محكم وجعله يسير بمقتضى سنن
وضع
131
مضبوطة. يقول تعالى في هذا الإطار: (الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوُتِ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} [الملك: 3، 4). لقد الله كل موارد الثّروة الاقتصادية في الأرض بحسب سنن كونية تحقق التوازن في الأرض. يقول تعالى في هذا السياق: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا﴾ [فصلت: 10]. والمقصود هنا هو أنّ الله رتِّب أقوات الأرض وحدد كمياتها وتوزيعها الجغرافي على قارّات الأرض، وقدّر فيها نسبة للمياه ونسبة لليابس ونسبة للهواء. يقول تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49].
إن من سنن الله في الكون، أن يكون كلّ شيء فيه برتبة وحدّ. فالمقصود من «قضى» و «قدر» هو «حكم» و «رتب» أي أن يسير الشيء على سنّة ما ولأجل ما يقول تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تقديرًا﴾ [الفرقان: 2]. لقد حدّد الله مسار الشمس وحركتها وفلك القمر ومناطق منازله، ويتجلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: 38، 39].
لقد بين القرآن الكريم أنّ لهذا الكون صانعاً حكيماً لا تدركه الأبصار، خلق كل شيء وقدره أحسن تقدير. وقد أثبت العلم الحديث والمعاصر مصداقية ذلك وكشف كثيراً من الأسرار الكونية التي جاءت في القرآن بصورة مجملة.
3 في السنن التشريعية
يمكن أن نوزّع هذا النّوع من السنن إلى: سنن خارقة وسنن حكميّة. ويقصد بالسنن الخارقة تلك التي تأتي لتأييد نبي بمعجزة مثلاً. وقد نص القرآن على هذا النوع من السنن في أكثر من موضع. وتعني المعجزة في الاصطلاح الدّينيّ كلّ أمر خارق للعادة يُظهِرُه الله على يد نبي من أنبيائه ليؤكّد صدقه في ما أخبر به ودعا إليه. ولا يمكن أن تُعتبر المعجزة معجزة إلّا إذا كانت من جنس ما برع فيه القوم المخاطبون برسالة النّبي صاحب المعجزة. لقد كان قوم إبراهيم يعبدون النار ويلقون فيها القرابين البشرية فتلتهمها وتحرقها. وكانت معجزة إبراهيم لي أن ألقَوْه في