النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٥٢٧

فقه السنن الكونية والسنن التشريعية

أ. د. العروسي الميزوري

527

النار، فكانت عليه برداً وسلاماً ولم تحرقه. يقول تعالى في هذا السياق: ﴿قُلْنَا يَنَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: 69، 70].

قوم

وبرع قوم فرعون في السّحر، فجاءت معجزة موسى لا من جنس السّحر متجاوزة ما ألفه فرعون. فقد دعا موسى إلى وحدانية الله فحاربه فرعون وجمع له الشحرة ليكيدوا له. ولكنّه هزمهم بإذن الله ثم أمره الله أن يخرج من مصر مع من اتبعه فطارده فرعون بجيش عظيم. ولمّا ظنّ أتباعه أنهم مدركون، أمره الله أن يضرب بعصاه في البحر لتكون نجاته وليكون هلاك فرعون الذي جعله الله عبرة للآخرين. يقول تعالى في هذا السياق نفسه: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب يعَصَاكَ الْبَحْرَ فَأَنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّودِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 63 - 67].

واشتهر قوم عيسى بالطبّ فجاءت معجزات نبيّهم جميعها مما يتجاوز مهارة الأطباء: كلام في

المهد، ثمّ إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى … الخ

صلى الله

أما العرب، فقد كانوا أهل بلاغة وفصاحة بارعين في الكلام والتعبير والبيان، فكانت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم فيهم قرآناً عربياً مبيناً لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً. لقد تحدّى الله المشركين أن يأتوا بمثل القرآن أو أن يأتوا بعشر سور من مثله، بل بسورة من مثله؛ فعجز عن ذلك بلغاء العرب، وأذعنوا لبلاغته وبيانه وشهدوا له بالإعجاز وما زال التحدّي قائماً لكل الإنس والجن. يقول تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَكَهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [هود: 13]، ويقول أيضاً: ﴿قُل لَّينِ اجْتَمَعَتِ الإنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88].

ويفيدنا القرآن الكريم بعدّة سنن حكميّة تتعلّق بحقيقة الإنسان وتدبير الكون وتعاقب الأمم والشعوب وغير ذلك من السنن الحكميّة.

لقد بصر القرآن الإنسان بحقيقته من حيث الأصل ومن حيث المهمة الإنسانية. وتتمثل حقيقة أصل الإنسان في أنّه خُلق من تراب وأنّ سلالته من ماء مهين. وفي ما يلي تجلّيات هذه الحقيقة مثلما نص عليها النّص القرآني:

)

يقول تعالى: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَنُ مِمَّ خُلِقَ الخُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَابِبِ [الطارق: 5 - 7]. ويقول: (قُتِلَ الْإِنسَنُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ** ثُمَّ السَّبِيلَ يسره) [عبس: 17 - 120. ويقول: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمَشَاجِ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [الإنسان: 2]. ويقول كذلك: {فَإِنَّا خَلَقْتَنكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ تُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ

8111