النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٢٨528
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ تُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} [الحج: 5). ويشير القرآن كذلك إلى أنّ الإنسان هو مخلوق مكرّم على سائر المخلوقات. فهو الحيوان الوحيد الّذي منحه الله العقل والتفكير والقدرة على إدارة الأمور. إنّه خليفة الله في الكون، ومؤهّل لإنشاء الحضارة الإنسانية التي حمّله القرآن إنشاءها، وذلك مصداقاً لقوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [هود: 61].
كما تضمن القرآن إشارات استشرافية كثيرة، من ذلك أنّه أخبرنا القرآن بحدث غيبي متمثل في هزيمة دولة عظمى، وهي دولة الرّوم. يقول تعالى في هذا السياق: ﴿المَ * غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَيد يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: 1 - 4]. وبالفعل، انتصر الروم بعد تسع سنوات، وبذلك تحقق الوعد
الإلهي.
فالسنن الكونية أو السنن العامة تخضع لها جميع الكائنات في وجودها المادي، وما يمرّ بها من حوادث مادّيّة، كنموّ الإنسان وحركته ومرضه وما شابه ذلك، وما تقع من حوادث كونية كنزول المطر وتعاقب الليل والنهار وغيرها ممّا يتعلّق بالوجود المادي لمخلوقات الله.
وقد حثّ الأنبياء والرسل أقوامهم على التأمّل والنظر والتفكّر في هذه السنن التي تدلّ على عظمة الخالق وإبداعه في الخلق والتكوين من ذلك قول نوح علي لقومه، قال تعالى: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا * وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا)
[نوح: 15 - 20].
وأمّا السّنن التشريعيّة أو السنن الخاصة، فهي تتعلّق بخضوع البشر لها باعتبارهم أفراداً وأمماً وجماعات خضوعاً يتعلّق بتصرّفاتهم وأفعالهم وسلوكهم في الحياة، وما يكونون عليه من أحوال، وما يترتب على ذلك من نتائج كالسّعادة والشقاء والعزّة والذل والقوة والضعف والنصر والهزيمة، وغير ذلك من الأمور الاجتماعية في الحياة الدنيا. يقول تعالى في هذا السياق ذاته: قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128].