النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٣١فقه السنن الكونية والسنن التشريعية
أ. د. العروسي الميزوري
531
ب إدراك حكمة الله وإبداعه في الخلق والتكوين:
إنّ التأمل في السنن الكونية والسنن التشريعيّة يقوّي الإيمان لدى الإنسان ويجعله يُدرك حكمة الله وإبداعه في الخلق والتكوين.
رصة يوم
ج) توفير الراحة النّفسيّة والرّاحة العقليّة لدى المؤمنين ودعم روح التنمية لديهم: يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَنًا مَّعَ إِيمَنِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: 4]. وتفيد السكينة في هذا السياق، الطمأنينة، والذين أنزل الله عليهم السكينة هم الصحابة من الحديبية؛ لأنهم استجابوا لله ولرسوله، وانقادوا لحكمه تعالى (1). فمن أراد العزّة فليتعزّز بطاعة الله تعالى؛ لأنّ مصدرها هو الله تعالى، وإذا أرادها فليطلبها من مصدرها مثلما جاء في القرآن الكريم: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) [فاطر: 110. ويقول أيضاً: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8]. فكما كانت هذه العزّة للمؤمنين السابقين، كذلك بالنسبة إلى اللاحقين منهم، شريطة أن يقتفي هؤلاء أثرهم في تطبيق شرع وتعظيم حرماته، والاعتزاز بدينه. إنّ تثبيت المشيئة الإلهيّة في نفوس المؤمنين يقتضي من هؤلاء إدراك سنن الكونية وسننه التشريعية حتّى يقتنعوا بقدرة الله وعظمته، وتطمئن قلوبهم، ويستقيم سلوكهم، وتتجه أعمالهم نحو التنمية والإبداع، أي ما يفيد المجتمع ويخدم صالح الإنسانية جمعاء.
فهي
الله
الله،
د الاقتناع بالتكامل بين الدين والعلم المطلق على غرار التكامل بين النقل والعقل هناك ارتباط كامل بين العلم المطلق والدين؛ لأنّ الدّين، في الواقع، هو علاقة بين الإنسان
والحق المتعالي.
إنّ معرفة الإنسان التي يحصل عليها في عالم المادة تتوقف على منهجيّته المعرفية. إنّها معرفة محكومة بالزمان والمكان في الإطار الممكن أمّا عالم الغيب، فمعرفة الإنسان فيه تتوقف على الخبر الصادق الّذي يبلغه عن مصدر يتمتّع بالعلم المطلق، وهو علم يتجاوز محدودية الحواس وحاجزي الزّمان والمكان. وهذا المصدر هو الله تعالى. فالإنسان هو خليفة الله في الأرض ويعدّ علمه في علم المادة عبارة عن اكتشاف سنن الله في خلقه. ومن هذا المنطلق، لا يمكن أن تتعارض الحقيقة العلمية اليقينية مع الحقيقة الدينية اليقينيّة؛ لأنّ كليهما من الله تعالى. يقول تعالى في هذا السياق نفسه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 153، ويقول أيضاً: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن
رَبِّكَ هُوَ الْحَقِّ وَيَهْدِى إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سبأ: 6].
(1) الدوسري؛ محمود: هجر القرآن العظيم أنواعه وأحكامه، ص 628.