النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٣٧جدلية العلاقة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي
أ. د. هاني محمد دويدار
537
وتتسم كل مدرسة من المدارس المذكورة بسماتها الخاصة: فالشريعة الإسلامية تستمد قواعدها الكلية من مصادر إلهية رئيسة هي القرآن والسُّنَّة، وتبلورت لها مصادر أخرى لاستنباط الأحكام من المصادر الرئيسة هي الإجماع والقياس وسد الذرائع والاستصحاب والاستحسان والعرف والمصالح المرسلة. ويختلط الفقه بالقضاء إذ يتمثل منهج كل منهما في الاستنباط، وبينما يستنبط
الفقيه الحكم للفتوى أو للشرح يستنبطه القاضي لأجل تسوية النزاع المعروض أمامه.
أما المدرسة اللاتينية والتي تعد فرنسا الدولة الرائدة لها، فهي أكثر المدارس القانونية تأثراً بموروثات القانون الروماني، قوامها تطبيق القوانين المكتوبة وانحصار دور القاضي في تطبيق القانون من دون أن يتجاوز الأمر إلى إنشائه. ويصبح التشريع هو المصدر الأول للقواعد القانونية،
يعبر عن دور الدولة في تنظيم الحياة الاجتماعية للأفراد، ليعلو بالتالي العرف في المرتبة. من جهتها تقوم المدرسة الأنجلو - سكسونية على اعتماد العرف كمصدر رئيس للقانون إذ لا تأخذ الدول التي تتبنى هذه المدرسة بظاهرة التشريع إلا في أضيق الحدود. وتتم تسوية المنازعات باعتماد نظام السوابق القضائية التي يجعل المحاكم في تدرج هرمي وفيه تلزم المحاكم العليا الدنيا منها بما تصدره من أحكام. ويقصد بالسابقة القضائية البحث عن حكم صدر من قبل في وقائع وظروف مماثلة للحالة المعروضة على القاضي والالتزام به ما لم يُمْل تطور الحياة الاجتماعية ضرورة العدول عنه فيكون مصدر العدول في هذه الحالة تطور العرف.
وبشأن المدرسة الجرمانية فهي كسابقتها اللاتينية تأثرت بموروث القانون الروماني لكنها اتخذت نهجاً مغايراً لنهج المدرسة اللاتينية. فبينما اعتمد القانون الفرنسي القديم مناهج التحليل والشرح التي أورثها له فقهاء القانون الروماني حاد الجرمانيون عن هذه المناهج مع اعتماد التشريع كذلك كمصدر رئيس للقواعد القانونية. ولقد أدى اختلاف المنهج إلى تخويل القضاء سلطة إنشاء القانون لتصبح المبادئ القانونية العامة التي يبلورها القضاء في ذات مرتبة التشريع. وأخيراً المدرسة الاشتراكية التي ظهرت في مطلع القرن العشرين للميلاد مع انتشار الفكر الماركسي وقيام الدولة البولشفية في الاتحاد السوفياتي السابق. وتتفق هذه المدرسة مع النظرة الفلسفية للقانون لدي كارل ماركس من اعتبار القانون من عناصر البنية الفوقية للمجتمع، فهو أداة الدولة الاشتراكية في تحقيق أهداف المجتمع المتمثلة في تحقيق التحول الاشتراكي، وبالتالي هي أداة مرنة لمواجهة الحاجة المستمرة إلى التطوير ولا اعتراف لأي دور للعرف في ظل هذه المدرسة أو لاجتهاد القضاء بشأن صناعة القانون.
ومن بين المدارس القانونية المشار إليها تثبت الهيمنة العالمية في الوقت الراهن للمدرستين اللاتينية والأنجلو - سكسونية التي صارت تعرف بالمدرسة الأنجلو - أمريكية نظراً للدور الرائد الذي