النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٥٣٨

538

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

تلعبه الولايات المتحدة الأمريكية الآن. ولقد تراجعت الأهمية النسبية للمدارس القانونية الأخرى: الشريعة الإسلامية نتيجة خضوع الدول العربية للاستعمار الاستيطاني للأمم الأوروبية هذا وسعي الأخير إلى دمج تلك الدول في النظام الرأسمالي العالمي، والمدرسة الجرمانية نتيجة هزيمة ألمانيا في حربين عالميتين خلال القرن العشرين وعدم مشاركتها الفاعلة في منتديات المجتمع الدولي، والمدرسة الاشتراكية نتيجة زوال المعسكر الشرقي.

أضف إلى ذلك أنه في مرحلة سيادة القوانين الوطنية في حكم المسائل القانونية وتسوية المنازعات الناشئة عنها ظلت كل مدرسة في منأى من الانفتاح على المدارس الأخرى. إلا أن تطور العلاقات الدولية، وبخاصة تلك ذات الطابع الاقتصادي والتجاري، أدى إلى التسامح في تطبيق قوانين أجنبية قد تنتمي إلى مدارس قانونية أخرى غير تلك المدرسة التي ينتمي إليها قانون دولة القاضي، وهو ما أملى على القضاة التعرف على أسس المدارس القانونية الأخرى. ومن جهة أخرى كان لزاماً على الجماعة الدولية مراعاة الاختلافات بين المدارس القانونية عند صياغة القواعد الموحدة للمسائل التي يهم الجماعة الدولية توحيدها.

ولعل الإشكالية الرئيسة التي تواجه الجماعة الدولية في المرحلة الراهنة هي صعوبة التوفيق بين مفاهيم المدرسة الأنجلو - أمريكية ومفاهيم المدرسة اللاتينية في تحقيق التوحيد الموضوعي للقواعد المنظمة لعلاقات التجارة الدولية والعلاقات التي تنشأ عن الاستثمار عبر الدول. ولقد تم إنشاء منظمة التجارة العالمية تحقيقاً لهذا الغرض، وتعمل أجهزتها المختلفة على تحقيق هذه الغاية. لكن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تقود حركة التوحيد من دون انتظار تحرير قطاعات الأنشطة الاقتصادية أمام حركة رأس المال العالمي، ولا شك أن مفاهيمها القانونية مستمدة من المدرسة القانونية المعمول بها فيها، ألا وهي المدرسة الأنجلو - أمريكية، لكن الدولة العظمى تصطدم بحقيقة انتشار المدرسة اللاتينية في عدد كبير من دول العالم نتيجة عوامل مختلفة أهمها ظاهرة الحركة الاستعمارية للأمم الأوروبية: أمريكا اللاتينية تحت تأثير المستعمرين الإسباني والبرتغالي، الدول الأفريقية الناطقة بالفرنسية تحت تأثير الاستعمار الفرنسي، والمستعمرات الأفريقية والآسيوية الفرنسية والإسبانية والإيطالية والبرتغالية السابقة بل إن بعض الدول التي خضعت للاحتلال البريطاني شهدت ظاهرة إدخال القوانين المكتوبة اللاتينية الأصل، وذلك نظراً لصعوبة إرساء نظام السوابق القضائية في بيئة غير مهيأة لذلك، وهو ما حدث في مصر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر تحت تأثير توغل النفوذ الأجنبي فيها، وفي مقدمته النفوذ البريطاني، فتم إصدار القوانين الأهلية والمختلطة ليبدأ عصر انخراط مصر في النظام اللاتيني.

وفي ما يخص الأمة العربية فقد ظلت لقرابة ثلاثة عشر قرناً من الزمان تطبق أحكام الشريعة الإسلامية، ثم بدأت الميل عنها خلال القرن التاسع عشر إما نتيجة الاستعمار الأوروبي كما أسلفنا،