النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٣٩جدلية العلاقة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي
أ. د. هاني محمد دويدار
539
أو توغل النفوذ الأجنبي، أو نتيجة الخضوع للدولة العثمانية في الوقت الذي أصدرت فيه هذه الدولة قانون التجارة العثماني عام 1850 م على غرار قانون التجارة الصادر في فرنسا عام 1807 م. ففي الوقت الذي قررت فيه الدولة العثمانية التحول إلى النظام الرأسمالي وصيرورته جزءًا من هذا النظام العالمي الجديد آنذاك، خضعت جميع الأقطار التابعة للنفوذ العثماني لقانون التجارة الجديد. كما أصدرت الدولة العثمانية قانون التجارة، لكنها استمرت في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية كقواعد عامة للمعاملات، بل إنها سعت إلى تقنين هذه الأحكام على غرار التقنينات الفرنسية في ما عرف بأحكام المجلة الدولية.
لقد تأخرت بعض الدول العربية عن الدخول في حركة التحول إلى النظام اللاتيني، وخصوصاً دول الخليج العربي. إلا أن ضرورات تحديث الدولة ودخولها عضواً فاعلاً في مختلف مظاهر العلاقات الدولية أدت بهذه الدول إلى إصدار قوانين مكتوبة على غرار القوانين اللاتينية الأصل. إلا أن الدول العربية لم تشأ أن تنقطع كلية عن الشريعة الإسلامية لمكانتها السامية من جهة كشريعة ذات مصدر إلهي، ولثرائها كنظام قانوني يمثل تراثاً تاريخياً عظيماً في مجال القانون من
جهة أخرى. ولقد تمثل تمسك الدول العربية بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في ما يلي: 1 - استمرار تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على الأحوال الشخصية للمسلمين، عملاً بمبدأ خضوع الإنسان في أحواله الشخصية لقواعد الديانة التي يعتنقها.
2 - النص في العديد من دساتير الدول العربية على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع. ويعد خطاب المشرع الدستوري هنا موجهاً للمشرع العادي يملي عليه
الحرص على ألا يتعارض أي تشريع يصدر عن الدولة مع أحكام الشريعة الإسلامية.
3 - اعتبار الشريعة الإسلامية مصدراً احتياطياً للقواعد القانونية، يلي التشريع والعرف في المرتبة.
4 - عدم إصدار قانون مدني في بعض الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، رغم إصدار تقنينات خاصة بالتجارة والجزاء والإجراءات الجزائية والعمل والتجارة البحرية والطيران، بحيث يستمر العمل بأحكام الشريعة الإسلامية في حكم معاملات الأفراد على هامش حياتهم الاجتماعية، وتطبيق هذه الأحكام كمصدر احتياط عام لقواعد القانون الخاص.
المطلب الثاني: مكانة الفقه الإسلامي في ضوء تطور أدائه
يمكن القول بأنه من منظور حضاري قد مر الفقه الإسلامي بمراحل ثلاث: الأولى: هي التي يمكن وصفها بمرحلة الإبداع الفقهي، والثانية هي مرحلة التقليد والأخيرة والراهنة: هي مرحلة