النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٤٠540
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
التبعية. ونخصص فقرة لدراسة كل مرحلة من هذه المراحل لبيان ما آل إليه الفقه الإسلامي في
الوقت الراهن.
:أولاً: مرحلة الإبداع الفقهي
مرحلة الإبداع الفقهي هي المرحلة الأولى التي مر بها الفقه الإسلامي في تاريخه الطويل، والتي تعرف أيضاً بمر. حلة الاجتهاد. ولقد ظهرت في هذه المرحلة المذاهب الفقهية المعروفة للآن، السنية منها والشيعية، وتلك الوسط بينهما التي لا تصنف نفسها بين هذه وتلك كالمذهب الإباضي مثلاً.
ولقد اتسمت مرحلة الإبداع الفقهي بعمل الفقهاء الدؤوب على استنباط الأحكام من المصادر الرئيسة، من قرآن كريم وسنة نبوية شريفة، وبيان إجماع الأمة، وتحديد مناط القياس وشروطه، ووضع منهجاً متكاملاً لعمل المجتهد أفرز لنا علماً جليلاً هو علم أصول الفقه الإسلامي.
ولقد بلغ الإبداع الفقهي هذه المرتبة السامية نتيجة عدة عوامل: فمن جهة أولى توجه المصادر الرئيسة الدعوة للإنسان بأن يجتهد في شؤون دينه ودنياه، وهو ما أدى إلى اعتبار الاجتهاد في المسائل الفقهية نوعاً من الجهاد في سبيل الله، يجازى عنه المجتهد خير الجزاء. ومن جهة ثانية تتضمن هذه المصادر أحكاماً كلية غزيرة استطاع الفقه أن يستخلص منها قواعد أصولية حاكمة للاجتهاد.
ومن جهة ثالثة لا بد من الإشارة إلى أن الفتوحات الإسلامية جعلت من العرب المسلمين حكاماً لمجتمعات ذات حضارات قديمة، تفوّقت بلا شك على المقومات الحضارية لشبه الجزيرة العربية. وكان النشاط الرئيس لهذه المجتمعات يتمثل في الزراعة التي لم يألفها عرب شبه الجزيرة. لذلك ترك العرب الأقطار التي قاموا بفتحها على ما ألفوه من تنظيم لملكية الأرض الزراعية، وتنظيم الإنتاج الزراعي، مقابل قيام المزارعين بدفع الخراج وغيرها من صور الزكاة إلى بيت المال. وبالتالي جاء اجتهاد الفقهاء في بيئة غنية ومتنوعة من الأعراف أدت إلى ثراء الاجتهاد الذي تم في ظلّها. ومن أهم ما أدى إليه الإبداع الفقهي في هذه المرحلة هو اعتماد الفقهاء للعرف كمصدر للفقه الإسلامي. ولعل اختلاف الأقطار بين قطر إسلامي وآخر هو الذي أدى ببعض الفقهاء بالعدول عن مذهبهم السابق إلى مذهب جديد كما كانت حال الإمام الشافعي بين إقامته أول الأمر في العراق ثم إقامته في مصر.
ونود الإشارة في هذا المقام إلى أنه لم يوجد من الناحية التاريخية «اقتصاد إسلامي» على غرار «الفقه الإسلامي»، فلم ينتج عن المسلمين نظريات خاصة بالإنتاج والتوزيع، واقتصر ابتكارهم على بعض أدوات التعامل المالي بين الأفراد كالمرابحة، والمضاربة بل إنهم لم يولوا عقد العمل