النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٤١جدلية العلاقة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي
أ. د. هاني محمد دويدار
541
عناية خاصة بوصفه أداة استغلال العمل الأجير، يتعاصر مع استمرار العمل بنظام الرق، بينما تناوله الفقه الإسلامي ببيان أحكامه الشرعية كأي عقد آخر. ولذلك ما يقال عنه اليوم بأنه «اقتصاد إسلامي» لا يعدو في الواقع سوى آليات محدودة وقوالب معدودة لمبادلات تتم في إطار النشاط الاقتصادي للإنسان. بل إن القواعد الأصولية التي من شأنها المساس بالأوضاع الاقتصادية قد تناولها الفقه الإسلامي بالحكم مثل حكم الربا والغرر والغبن، ولم تندرج في يوم من الأيام في نظريات عامة للدخل أو نظريات عامة للتوزيع.
ثانياً: مرحلة التقليد:
في بدء العصر العباسي الثاني الذي يصفه المؤرخون ببداية عصر الاضمحلال الذي شهدته الأمة الإسلامية، ولأسباب لا يتسع هذا المقام لسردها، هي سياسية بالأساس، تقرّر غلق باب الاجتهاد مما أدى إلى توقف حركة استنباط الأحكام من المصادر الرئيسة واكتفاء الفقهاء بالأخذ بأقوال السابقين من فقهاء المذاهب المعتمدة، والتي عبّروا عنها في مرحلة الإبداع الفقهي. ودخل الفقه الإسلامي بذلك عصر التقليد، وفيه يعدّ التقليد السّمة الأساسية لعمل الفقه، من دون إنكار لاستمرار البعض في الاجتهاد - وهم بصفة أساسية فقهاء المذاهب الشيعية - اقتداء بفقهاء عصر
الإبداع، ولكن بقي ذلك ضمن حدود ضيقة لم تزح السمة الغالبة للعصر بأنه كان عصر تقليد. ولعل مرحلة التقليد هي أخطر المراحل التي مر بها الفقه الإسلامي؛ لأنه خلالها انقطعت حركة التطوير المطرد لأحكام الشريعة الإسلامية، وتجمّدت آراء الفقهاء عند إفرازات مرحلة الإبداع وأصبح شاغل الفقهاء هو تحديد ضوابط الترجيح بين المذاهب الفقهية فاتحين المجال على مصراعيه لكل أنواع الفتن المذهبية خدمة لأغراض سياسية في المقام الرئيس.
بل إن غلق باب الاجتهاد حال دون إمكانية تطوير العديد من أحكام الشريعة الإسلامية نظراً لانقطاع الاجتهاد بشأنها. فعلى سبيل المثال لم يحرم الإسلام الرق ابتداء، لكنه أخذ بأهم الأسباب الموجبة لزواله والمتمثل في تقديم عتق الرقاب على كل صور الكفارات التي أخذ بها الإسلام. ولقد أخذ فقهاء مرحلة الإبداع هذه الحقيقة في الاعتبار وبدأوا في وضع الشروط المضيقة لاسترقاق الإنسان، مثل تحريم استرقاق الإنسان المسلم، أو قصر الاسترقاق على أسرى حروب المسلمين مع المشركين، بل إن بعض الفقه مد نطاق تحريم الرقّ إلى أهل الذمة. ولو لم تقف حركة الاجتهاد مسألة الرق لتوصل فقهاء الإسلام يقيناً إلى الأخذ بأسباب زوال الرق ليتوازى ذلك مع اتجاه الجماعة الدولية لمنع الرقّ، بعد أن أعادت الرأسمالية الوليدة هذا النظام من أجل استعمار أراضي الأمريكتين. فهل يمكن القول بأنه كان بالإمكان تحقيق نوع من التطوير المماثل بشأن الحدود بدلاً من أن تجد الأمة الإسلامية نفسها اليوم في مفترق طرق في مواجهة جماعة دولية ترفض المساس
في