النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٤٢542
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
بالسلامة الجسدية كشكل من أشكال العقوبات، بل تتجه بخطى حثيثة نحو إلغاء عقوبة الإعدام، في حين لا تزال الأمة الإسلامية تجد أن في القصاص حياة، وتؤمن بوجوب إقامة الحدود كحد السرقة
وحد الحرابة وحد القذف؟
ومما لا شك فيه أن عصر التقليد شهد حركة واسعة للاسترقاق، وخاصة لأبناء الممالك الآسيوية التي انشقت عن الدولة العباسية، وتوريد الرقيق إلى العراق ومصر، حتى تكونت في هذه الأخيرة طبقة اجتماعية كاملة من هؤلاء عرفوا بالمماليك واستطاعوا أن يحكموا مصر لقرابة أربعة قرون من الزمان
ومما يؤسف له أن فرض هيمنة العثمانيين على الأقطار الإسلامية لم يؤد إلى إعادة فتح الاجتهاد، نظراً لحرص الدولة العثمانية على تطبيق أحكام المذهب الحنفي على جميع الأقطار الخاضعة لنفوذها. بل إن المشكلة صارت أكثر تعقيداً في ظل الدولة العثمانية، إذ لم يعد حتى في إمكان القضاة التيسير على العباد بتطبيق الآراء الفقهية من أي مذهب من مذاهب الفقه الإسلامي، بل صار القضاة ملزمين بتطبيق الأقوال الراجحة في مذهب أبي حنيفة النعمان.
ويضاف إلى ما تقدم أن انشغل الفقه الإسلامي بمعارك جانبية، لعل أهمها قضية سمو الشريعة الإسلامية على غيرها من الشرائع، ونفي أي تأثر لتلك الشريعة بالقانون الروماني. فمرحلة التقليد شاهدت الحروب الصليبية والتي مثلت أولى الهجمات الشرسة للأمم الأوروبية ضد مجتمعاتنا العربية. وفيها ظهرت حركة الاستشراق ونعت المستشرقون الشريعة الإسلامية بتقليد القانون الروماني، مما دفع بالفقه الإسلامي إلى الرد على هذه الادعاءات، وإقامة الدليل على أصالة الشريعة الإسلامية بوصفها تشريعاً إلهياً. ولعل هذا العراك لم يعر اعتباراً لدور المجتمعات التي حكمها كل من الرومان والعرب، وخاصة أصحاب الحضارات القديمة منها، والتي كان لأعرافها الدور الرائد في تطور القانون الروماني من جانب وفي استنباط العديد من أحكام الفقه الإسلامي من جانب آخر. وفي تقديرنا الخاص أدى هذا العراك إلى تحول فقهاء الإسلام من الإقرار بسمو الشريعة الإسلامية على الشرائع الوضعية بوصف الأولى تشريعاً إلهياً إلى اعتلائهم نظرة فوقية إلى ظاهرة القوانين الوضعية، تلك النظرة التي لا تزال تنعكس على علاقة الشرعيين بالحقوقيين حتى يومنا هذا.
ثالثاً: مرحلة التبعية:
تبدأ
وهي المرحلة التي مع ظاهرة إدخال القوانين المكتوبة ذات الأصل اللاتيني إلى الأقطار العربية، تلك الأقطار التي صارت دولاً مستقلة بفعل الحركة الاستعمارية للأمم الأوروبية. وتأتي التبعية من معاصرة إدخال هذه القوانين مع الاحتلال الاستيطاني للأقطار العربية، وما صاحب ذلك