النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٥٤٣

543

|

جدلية العلاقة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي

أ. د. هاني محمد دويدار

من حركة إدماج للمجتمعات العربية في النظام الرأسمالي الدولي الوليد في تلك المرحلة، وقد جعل ذلك من الأقطار العربية أقطاراً تابعة للمحتل الأوروبي، ليس فقط من النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية، ولكن أيضاً من الناحية القانونية إذ كان المراد هو توحيد النظام القانوني بين كل من الاقتصاد التابع والاقتصاد المتبوع، وقدر المستعمر الأوروبي آنذاك أن قوانين نابليون تمثل طوراً متقدماً للقوانين مقارنة بالشريعة الإسلامية، واستلزام ذلك التحوّل إلى تطبيق «قوانين معاصرة» على الأقل بشأن الأحوال العينية، أي الأموال والمعاملات. ولقد ترتب على ذلك أن بدأت الأقطار العربية تعرف ظاهرة القوانين المكتوبة بإصدار قانون مدني، وقانون للتجارة، وقانون للإجراءات المدنية وقانون للعقوبات، وقانون للإجراءات الجنائية، وذلك بصفة أساسية، لتنخرط هذه الأقطار في النظام القانوني اللاتيني إيذاناً بأنه في كل مرة تصدر فيها الدولة تقنيناً من التقنينات يكف العمل في المحاكم بمبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية.

لا

والذي بد من الإشارة إليه في هذا المقام أن: محمد علي، حاكم مصر (1805 - 1840)، الملقب بباني مصر الحديثة، أقام مشروعه النهضوي، والذي سعى من خلاله إلى خلق مكانة تنافسية قوية للاقتصاد المصري في السوق الرأسمالية الدولية، من دون أن يتحوّل عن تطبيق مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية في إشارة قاطعة الدلالة في تقديرنا إلى أن التحول الرأسمالي، أو تطوير قوى المجتمع الاقتصادية، أو النهوض التكنولوجي بقدرات المجتمع لا يجد في تطبيق هذه الأحكام أو تلك المبادئ أية عقبة أو اعتراض.

إلا أن التحول إلى النظام اللاتيني قد تحقق كما أسلفنا لأغراض خاصة بالمستعمر الأوروبي، الذي عنى فوق ذلك بالأحوال العينية وحدها، تاركاً الأحوال الشخصية محكومة بالقواعد الدينية الأصل، فاستمر تطبيق الشريعة الإسلامية في مجال الأسرة والأحوال الشخصية بوجه عام. ومن أهم ما أتي به النظام اللاتيني هو علو التشريع على العرف في المرتبة، بعد أن كان العرف في ظل الشريعة الإسلامية أحد مصادر الفقه الإسلامية، وبعبارة أخرى كرّس النظام اللاتيني سيادة إرادة السلطة الحاكمة للمجتمع - والتي يعبر عنها التشريع - على الإرادة المجتمعية في تنظيم مسألة المسائل ـ والتي يعبّر عنها العرف - فمتى تعارضت إرادة المجتمع مع إرادة السلطة الحاكمة له يكون الترجيح لإرادة السلطة لا المجتمع، ثم يقال بعد ذلك: إن السلطة في خدمة المجتمع كما أن الشرطة في خدمة الشعب

من

لكن التخلّف الاقتصادي الذي وجدت الدول العربية نفسها غارقة فيه ولدت عنه إشكالية حضارية حادة: أن النظم الاقتصادية، ومن ثم القانونية، لم تعد تنشأ في بلادنا، بل في دول الاقتصاد المتقدم من العالم. فما من شك أن جل المستحدثات القانونية خلال القرن العشرين للميلاد، وخاصة في مجال المعاملات والعقود، قد نشأ في الدول الرأسمالية المتقدمة ثم تم