النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٤٥جدلية العلاقة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي
أ. د. هاني محمد دويدار
545
وتتميز أصول الفقه الإسلامي بأنها تقدم أصولاً منضبطة لاستنباط الأحكام، مثل القياس والاستصحاب والاستحسان وسد الذرائع، وتحديد شروط العرف الذي يجوز اعتمادها مصدراً للأحكام الشرعية، وبيان المصالح المرسلة التي يجوز اعتبارها شرعاً. كما أن العلم المذكور يعين دارسي القانون على تفسير وتأويل النصوص القانونية، وذلك من خلال إعمال القواعد الخاصة بالاستنباط من النصوص القرآنية، مثل القواعد الخاصة بصراحة النص، ودلالته، وإشارته، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ من النصوص، وغيرها من القواعد التي تعين دارسي القانون على تفسير وتأويل النصوص التشريعية.
أضف إلى ذلك أنه في مجال البحث العلمي يعين علم أصول الفقه على تناول الظواهر القانونية بالدراسة. فعلى سبيل المثال أجرينا منذ عدة سنوات دراسة عن ظاهرة «الأعمال التجارية بالقياس»، ويقصد بها الظواهر الاقتصادية المستحدثة التي يقرر القاضي إخضاعها لأحكام القانون التجاري، قياساً على الأعمال الواردة بالتعداد التشريعي للأعمال التجارية في قوانين التجارة الوضعية. وتلك المسألة هي من المسائل التي حار بشأنها الفقه اللاتيني، وقد فشل على مدار أكثر من قرن من الزمان في حسم إشكالية البحث. لكننا انطلقنا في هذه الدراسة من منهج القياس كما تحدد في علم أصول الفقه، وأجرينا دراستنا للظاهرة في ضوء تحديد عناصر القياس من أصل وفرع وحكم، وعلة، وقد توصلنا إلى نتائج تتسم بالكثير من الانضباط والتحديد الدقيقين، بل استطعنا تطوير بعض الأفكار التقليدية السائدة في القانون التجاري، وإعادة النظر في الكثير من المسائل التي ظلت لفترة طويلة من مسلمات هذا الفرع من فروع القانون ويبقى السؤال: هل ننتظر اعتماد نظريتنا من قبل الفقه والقضاء العربيين على الرغم من أنها نتاج اجتهاد فقيه عربي قدر إمكانه من التراث الهائل الذي تركه لنا فقهاء الشريعة الإسلامية، أم سيظل الفقه والقضاء العربيان يعرضان لنظريات الخواجات وحدهم رغم الانتقادات الموجهة إليها؟
استفاد
ومع. ذلك لم يعد علم أصول الفقه كافياً لإجراء الدراسات القانونية أو استنباط الأحكام من مصادرها المختلفة. فتعقيد العلاقات الاجتماعية وتدويل النشاط الاقتصادي، وتداخل الأنظمة القانونية في معالجة العلاقات ذات الطابع الدولي أدى إلى ضرورة تجاوز مخرجات علم أصول الفقه إلى مناهج خاصة بالدراسات القانونية في ظل المدرسة اللاتينية. وقد بدأ يتبلور في نهايات القرن العشرين منهجاً للدراسات القانونية يقوم على غرار علم أصول الفقه الإسلامي وإن جاء متأخراً عنه بعدة قرون من الزمان. ولعل أبرز معالم مناهج الدراسات القانونية التحليل والتأصيل والدراسات المقارنة والدراسات التاريخية، والدراسات المتجاوزة لفرع المعرفة الواحد كعلم الاجتماع القانوني مثلاً. وظهرت في كليات الحقوق في دول القانون اللاتيني مقررات خاصة بالمنهجية القانونية، وسعى العديد من كليات الحقوق