النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٤٧جدلية العلاقة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي
أ. د. هاني محمد دويدار
547
المطلب الثاني: التأثير المتبادل من حيث القدرة على خلق فقه مستقل تنبئ أحداث الربيع العربي عن اقتراب قوى الإسلام السياسي من تبوء مواقع المسؤولية، واتخاذ القرار في عدد من الدول العربية. ورغم الاختلافات القائمة بين مختلف هذه القوى إلا أنها تجمع على وجوب العودة إلى العمل بمبادئ، بل بأحكام الشريعة الإسلامية ودون الخوض في تحليل هذه الأحداث بين اعتبار نجاح قوى الإسلام السياسي تعبيرا عن رغبة شعبية عامة في تطبيق الشريعة الإسلامية، وبين اعتباره انتهازا لظرف تاريخي لم تقدر فيه القوى السياسية الأخرى على منافسة الإسلام السياسي في كسب أصوات الناخبين، يشير الواقع إلى قيام الدعوة إلى العودة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية بعد أن تحولت العديد من الدول العربية إلى نظام القانون اللاتيني، وظلت تطبقه لأكثر من قرن من الزمان في بعض هذه الدول.
ولقد أشارنا من قبل إلى الصعوبات التي سوف تواجه البلدان العربية عند تطبيق الحدود في ظل اتجاهات الجماعة الدولية الرافضة للعقوبات البدنية، وخاصة تلك التي تتخلف عنها عاهات مستديمة، بل اتجاهها نحو إلغاء عقوبة الإعدام. لكن في مجال المعاملات يثور كذلك التساؤل حول ما إذا كان في العودة إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ما يسمح بخلق فقه مستقل عن الفقه الغربي يكون بالأحرى قادرا على تحقيق التغييرات الثورية التي تأملها الشعوب التي ثارت ضد الطغيان.
ليس هناك من حيث المبدأ العام ما يحول دون ذلك، ولكن بشرط أن يتحرر الفقه الإسلامي من موروثات الاجتهاد القديم، ليس في القواعد الأصولية أو المبادئ الرئيسة للشريعة الإسلامية، وإنما في أحكام الفقه الإسلامي التي تم استنباطها في ظل ظروف تاريخية مختلفة تمام الاختلاف عن الظروف التي نشاهدنا الآن.
فعلى سبيل المثال استلزمت ظروف بعض الأقطار العربية أن تأخذ بالامتداد القانوني لعقود إيجار الأماكن من أجل الحد من التوجهات الريعية في داخل المجتمع، وتوجيه الاستثمارات إلى قطاعات إنتاجية أخرى. إلا أن مفهوم الإيجار عند فقهاء الإسلام الأوائل، الذين لم يواجهوا الظروف الاقتصادية المعاصرة وتحديات القرن العشرين، جعل من تأبيد عقد الإيجار أمرا غير مشروع. وهناك من صار ينادي اليوم بضرورة إعادة النظر في قوانين إيجار الأماكن للقضاء على ظاهرة الامتداد القانوني لعقود الإيجار، مما ينبئ عن خطورة جمة على الاستقرار الاجتماعي في هذه البلدان.
ولنا أن نتساءل عن الدور الذي يساهم به كل من الحقوقيين والشرعيين إزاء الظواهر الاقتصادية المستحدثة على سبيل المثال. فقد عنينا ببحث موقف هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية