النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٥٤٨

548

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

السعودية، ومجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي بشأن ظاهرة التأجير التمويلي، وقد أعادت الهيئتان الظاهرة إلى ما يعرف في الفقه الإسلامي بالإيجار المنتهي بالتمليك، وبينما انتهت هيئة كبار العلماء إلى عدم مشروعية الظاهرة، قال مجلس المجمع بمشروعية التأجير التمويلي. إلا أن الهيئتين لم تأخذا في اعتبارهما أي تحليل اقتصادي أو مالي للظاهرة، ولم تعتد بالتمييز بين استخدامات التأجير التمويلي لأغراض استهلاكية أو لأغراض إنتاجية، وانتهت كل هيئة إلى رأي معاكس للآخر بشأن مشروعية الظاهرة. لكنهما لم يدليا بأي دلو بشأن النظام القانوني للتأجير التمويلي وما قد يصاحبه من تعسف المؤجر التمويلي بمصالح المستأجر التمويلي إزاء تمويل يمنحه إياه مع ضعف الضمانات المقدمة من المستأجر التمويلي، فلا تصدت الهيئتان لدراسة تحليلية ذاتية للظاهرة ولا هما اعتمدتا رأي الفقه القانوني في تلك الظاهرة، أي بعبارة أخرى: لم تقدّر هاتان الهيئتان أهمية التصدي بالتحليل والدراسة للظاهرة، كما تعرض في العمل في الوقت الراهن مكتفيتين برد الظاهرة إلى ما تناوله فقهاء الإسلام من ظاهرة شبيهة في ظل اختلاف كلي للظروف التاريخية لتناولهما. كما أن الهيئتين لم تعتدا بفقهاء القانون كأهل للذكر في مسألة قد تتجاوز القدرات التحليلية لأعضاء هاتين الهيئتين. ولا يعنينا القول بمشروعية أو عدم مشروعية التأجير التمويلي، لكننا نرى في ما تفضل به كل من هيئة كبار العلماء ومجلس مجمع الفقه نموذجاً سيئاً للاجتهاد في العصر الحالي، فبالتحريم يفوت على المشروعات الاقتصادية فرصة طيبة لتمويل الاستثمارات اللازمة لها وبالإباحة من دون تدخّل بالتنظيم تقنين فادح للتعسف الذي يتعرض له المستأجر التمويلي في علاقته بالمؤجر التمويلي. أما إذا انفصل الفقه الإسلامي اليوم عما قاله الأسلاف في ظروف مغايرة، وتصدى لظاهرة التأجير التمويلي كما يعرض في العمل الآن لقال بمشروعية الظاهرة بشرط تحقيق التوازن بين أداءات الطرفين، ولعل الفقه المعاصر وجد في مفهوم الغبن أو الربا ما يعينه على ضمان العمل بآلية التأجير التمويلي ضمن أطر منصفة للطرفين فتتحقق بذلك مصلحة أكيدة للعباد.

وكمثال آخر للتدخل الفقهي غير الموفّق الاعتماد على أقوال ابن عابدين في تحريم التأمين على الحياة، بينما لا يكون للعامل الأجير في ظل النظام الرأسمالي من فرصة لتأمين معاش ذويه عند وفاته سوى عقد بوليصة تأمين على حياته، فيضمن بذلك حصول ورثته على مبلغ من النقود يعينهم على مواجهة أعباء الحياة التي أقل ما يمكن وصفها في بلادنا بأنها قاسية على الأجراء فيها. لم يكن ابن عابدين يعبر عن آرائه في ظل سيادة الاقتصاد الرأسمالي، ولم يتجاوز شبهة الغرر الذي يتضمنه التأمين على الحياة إلى اعتبار التأمين أحد عناصر الاحتمال التي تتحدّد بها كل ظروف حياة الغالبية العظمى من البشر؛ فالعمل صار احتمالياً في ضوء معدلات البطالة في الاقتصادات الرأسمالية، ومن ثم أصبح الدخل احتمالياً كذلك لارتباطه بالتوفيق في بيع الأجير قوة عمله،