النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٥٥٦

556

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

ومما يؤيد اهتمام الإسلام بإقامة علاقات بين مختلف البشر أيضاً قوله تعالى: بيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيَّا

[الزخرف: 32].

كذلك يقول جل شأنه: (لَا يَنهَنكُرُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَرِكُمْ أَن تَبَرُوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].

يقول الشوكاني: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعاملون اليهود من أهل المدينة، وممن حولها وهم مستحلون لكثير مما حرّمه شرعنا، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعامل هو وأصحابه أهل مكة قبل الهجرة، ومن يرد إليها من طوائف الكفار، ولم يسمع على كثرة هذه المعاملة، وتطاول مدتها أنه قال: هذا كافر لا تحل معاملته، ولا قال أحد من أصحابه كذلك. وإذا كان هذا في معاملة الكفار الذين هذا حالهم ومسلكهم، فكيف لا تجوز معاملة من هو من المسلمين مع تلبسه بشيء من الظلم، فإن مجرد كونه مسلماً يردعه عن بعض ما الله حرمه عليه» (1).

وقد ورد في القرآن الكريم الكثير من الآيات القرآنية التي أرست قواعد للعلاقات الدولية،

منها قوله تعالى:

الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَتُ قِصَاصُ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194]. فقد أرست هذه الآية مبدأ المعاملة بالمثل مع ضرورة مراعاة التقوى حتى عند وقوع اعتداء. وَقَيْلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]، ﴿وَقَتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، وقد وضعت الآيتان أسس الحرب في الإسلام.

وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَأَجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ} [الأنفال: 61]. وقد وضعت الآية أساس مبدأ الحل

السلمي للمنازعات الدولية في الشريعة الإسلامية. وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34]. وقد وضعت هذه الآية، وغيرها كما سنرى، مبدأ الوفاء بالعهد.

وَإنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَقٌ، وقد أرست هذه الآية مبدأ مهماً في التعامل بين المسلمين وغيرهم هو مبدأ تقديم حرمة العهد على واجب

استنقاذ المسلمين.

(1) الشوكاني: السبل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1415 هـ / 1994 م، ج 3، ص 21.