النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٥٨558
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
استوصوا بالأسارى خيراً. ولا شك أن هذا الحديث هو خير توجيه عام بخصوص كيفية معاملة أسرى الحرب.
(ب) تقرير الإسلام إمكانية التعامل مع غير المسلمين
أباح الإسلام التعامل مع غير المسلمين، بل ومؤاكلتهم. يقول تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلُّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ).
وقد أكدت السُّنَّة النبوية على ذلك أيضاً: - فمن المعروف أنه رهن درعه عند يهودي. يقول ابن بطال: «معاملة الكفار، جائزة، إلا بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين». يدل على ذلك ما رواه عبد الرحمن بن أبي بكر ا: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاء رجل مشرك مشعان (طويل الشعر بغنم يسوقها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيعاً أم عطية - أو قال: أم هبة؟ فقال: لا،
بيع، فاشترى منه شاة (1).
لذلك يجيز الإسلام تبادل العلاقات مع غير المسلمين، إذا كانت في حدود القواعد الشرعية العليا. يقول الإمام الماتريدي: لا بأس ببيع الطعام من الكفرة، ولا يصير ذلك كالمعونة على ما هم عليه» (2).
كذلك قيل: لا بأس للمسلم أن يكون بينه وبين أهل الذمة معاملة، مما لا بد منه» (3).
ومن مقتضيات علاقة المسلمين بغيرهم تبادل المصالح، واطراد المنافع، وتقوية الصلات الإنسانية» (4).
(1) ابن حجر العسقلاني: فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج 4، ص 469. وبخصوص الوضع القانوني لغير المسلمين أيام النبي صلى الله عليه وسلم، يقول ابن قيم الجوزي: ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام: صالحهم ووادعهم على أن لا يحاربوه ولا يظاهروا عليه ولا يوالوا عليه عدوه وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم، وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة، وقسم تاركوه فلم يصالحوه ولم يحاربوه بل انتظروا ما يؤول إليه أمره وأمر أعدائه، ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه وانتصارهم، ومنهم من دخل معه في الظاهر وهو مع عدوه في الباطن ليأمن الفريقين وهؤلاء هم المنافقون، فعامل كل طائفة من هذه الطوائف بما أمره به ربه تبارك وتعالى، فصالح يهود المدينة وكتب بينهم وبينه كتاب أمن وكانوا ثلاث طوائف حول المدينة: بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة». ابن قيم الجوزية زاد المعاد في هدي خير العباد، دار الكتاب العربي، بيروت، ج 2، ص 70 - 71. الشيخ عبد الحي الكتاني: نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية دار الكتاب العربي، بيروت، ج 1، ص 384 - 385.
(2) الإمام الماتريدي: تأويلات أهل السُّنَّة تحقيق د. محمد مستفيض الرحمن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، العراق،
1404 هـ / 1983 م، ص
248
(3) الإمام أبو الليث السمرقندي: بستان العارفين في الآداب الشرعية، دار المنار، القاهرة، 1995، ص 243. (4) السيد سابق فقه السنة، مكتبة الخدمات الحديثة، جدة، المجلد الثالث، ص 109.