النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٥٩نحو نظرية للعلاقات الدوليّة في الفقه الإسلامي
د. أحمد أبو الوفا
559
حري بالذكر أن إقامة علاقات بين المسلمين وغير المسلمين:
من ناحية، لا يتعارض مع ما ذكره القرآن الكريم من تعاملهم في أمور في الشريعة الإسلامية، وإن كانت هذه الأمور محرّمة - في جميع الأحوال - على المسلمين.
وهكذا بخصوص قوله تعالى: (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوْا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِل وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}، ذهب اتجاه إلى أن معاملة الكفار لا تجوز «وذلك لما في أموالهم من
هذا الفساد».
وقد رد على ذلك ابن العربي بقوله: والصحيح جواز معاملته مع رباهم واقتحامهم ما
حرم
الله
سبحانه عليهم، فقد قام الدليل القاطع على ذلك قرآناً وسنة قال تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّمْ .. وهذا النص في مخاطبتهم بفروع الشريعة، وقد عامل النبي صلى الله عليه وسلم اليهود، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير أخذه لعياله.
وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه سئل عمن أخذ ثمن الخمر في الجزية والتجارة، فقال: ولوهم بيعها وخذوا منهم عشر أثمانها؛ والحاسم لداء الشك والخلاف اتفاق الأئمة على جواز
التجارة مع أهل الحرب».
ويضيف ابن العربي أن الصحابة والمسلمين: «كانوا يسافرون في فك الأسرى، وذلك واجب؛ وفي الصلح كما أرسل عثمان وغيره، وقد يجب وقد يكون ندباً، فأما السفر لمجرد التجارة فذلك مباح». من ناحية أخرى، لا يتعارض مع نهي القرآن الكريم من اتخاذ غير المسلمين أولياء من دون المسلمين، والذي أكده قوله تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَلَةٌ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ).
2
يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ.
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا .. وهكذا بخصوص قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، قال ابن عطية: «نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية عن اتخاذ اليهود والنصارى في النصرة والخلطة المؤدية إلى الامتزاج والتعاضد .... وأما معاملة اليهود والنصارى من غير مخالطة وملابسة فلا يدخل في النهي، وقد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودياً
(1) ابن العربي: أحكام القرآن المرجع السابق، ج 1، ص 514 - 515.
ورهن
درعه» (2).
الله
(2) راجع العلامة الخزاعي التلمساني: كتاب تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول ا من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1415 هـ/1995 م، ص 799.