النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٦١نحو نظرية للعلاقات الدوليّة في الفقه الإسلامي
د. أحمد أبو الوفا
561
المبحث الثاني:
العلاقات الدولية في الإسلام ذات طبيعة سلمية أساساً
نشير هنا إلى أساس تلك العلاقات والمبدأ الذي يحكمها.
أولاً: أساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم هو السلم، لا الحرب: من المعلوم أن الفقه الإسلامي اختلف بخصوص أساس العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين إلى اتجاهين:
الأول: يرى أن أساس العلاقة هي الحرب ابتداء.
والثاني: يذهب إلى أن أساس تلك العلاقة هو السلم أما الحرب فهي للدفاع فقط).
ولا شك أن الإسلام هو دين سلام والسلم الإسلامي تحكمه ضوابط ثلاثة، هي: أولاً: إن العلاقة الطبيعية بين المسلمين وغيرهم هي السلم كافة؛ لأنَّ ذلك هو الذي يتفق مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ما لم يحدث ما يعكر صفو ذلك من الدول الأخرى. ثانياً: ضرورة الاستعداد للحرب جدياً، وذلك بتوفير كل قوة مستطاعة، ترهب أي عدوان محتمل، بما يؤدّي إلى استمرار السلام بسبب خشية أي طرف ابتدار الحرب. المسلمون؛ لأنَّ دينهم يحرم عليهم العدوان، والأطراف الأخرى بسبب الردع الذي توفره القوة الإسلامية التي يتم إعدادها. كل ذلك مصداقاً لقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَعَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ).
ثالثاً: حتمية الوفاء بالعهد المبرم مع غير المسلمين، مصداقاً لقوله تعالى: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَأَسْتَقِيمُوا لَهُمْ، إلا إذا ظهرت بوادر خيانة. وفي هذه الحالة تكون القاعدة واجبة التطبيق هي نبذ العهد، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَانِينَ﴾ (2) [الأنفال: 58].
(1) انظر حجج كل اتجاه، في: د. أحمد أبو الوفا: كتاب الإعلام بقواعد القانون الدولي والعلاقات الدولية في شريعة الإسلام، دار النهضة العربية، القاهرة 1428 هـ / 2007 م، ج 10 (الحرب في الشريعة الإسلامية)، ص 17 - 61.
(2) يقول أبو السعود: إن قوله تعالى: (فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال: 58] يعني: أي فاطرح إليهم عهدهم (على سواء) على طريق مستو قصد بأن تظهر لهم النقض وتخبرهم إخباراً مكشوفاً بأنك قد قطعت ما بينك وبينهم من الوصلة، ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد كيلا يكون من قبلك شائبة خيانة». راجع تفسير أبي السعود المسمى: إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، ج 4، ص 31. ويفسرها ابن كثير، بقوله: أي أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم وهم حرب لك، وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء. تفسير ابن كثير، المرجع السابق، ج 2، ص 320.