النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٥٧٦

576

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

أ - أهمية المسألة: في بعض الأحوال والظروف قد يكون الرد - الكتابي أو الشفوي - على موقف معين حصل في حق الدولة الإسلامية مؤشراً على السلوك الذي ستنتهجه بخصوصه، ودليلاً على تقديرها

للأمور الواقعة، ورسالة حاسمة موجهة للطرف الآخر، وعلامة من علامات قوتها أو خورها.

إذ كما قال القاضي ابن عبد الظاهر: فإنه فرق بين ملك تقبل ملوك التتار الأرض بين يديه وهو راكب، وبين ملك كانت التتار تطلب منه حضور الحرم في المشارب، وبين ملك تهادنه ملوك الإسلام والكفر تطلب منه الرضا والغفران وملوك تهادى ملوك الكفر تطلب منهم الأمن والأمان، وبين ملك تسلم من الكفر البلاد والحصون، وبين ملوك سلموا للكفر من البلاد والقلاع والحرم والأولاد والأموال كل مصون.

ب

أمثلة من العلاقات الدولية للدولة الإسلامية: نكتفي بذكر الأمثلة الآتية:

1 - من ذلك حينما وردت إلى المعتصم رسالة من ملك الروم فيها تهديد ووعيد، فأمر بجوابه فلما قرئ عليه الجواب لم يرضه وقال للكاتب اكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم .. فقد قرأت كتابك وسمعت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع، وسيعلم الكفار

أما

بعد:

لمن عقبى الدار» (3).

2 ـ وكان سبب فتح هرقلة أن نقفور ملك الروم والذي تولى الملك على أثر امرأة كانت تحترم الرشيد) كتب إلى الرشيد كتاباً جاء فيه: «من نقفور ملك الروم إلى الرشيد ملك العرب: أما بعد، فإن هذه المرأة كانت وضعتك وأباك وأخاك موضع الملوك، ووضعت

نفسها موضع السوقة، وإني واضعك بغير ذلك الموضع، وعامل على تطرق بلادك والهجوم على أمصارك، أو تؤدي إلى ما كانت المرأة تؤدي إليك، والسلام».

فلما ورد كتابه على الرشيد رد عليه: «بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم. أما بعد، فقد فهمت كتابك، وجوابك عندي ما تراه عياناً لا ما تسمعه». ثم قام الرشيد من وقته في جيش لم يسمع بمثله وقواد لا يحاربون رأياً ونجدة حتى فتح هرقلة).

(1) ابن عبد الظاهر: الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر، تحقيق د. عبد العزيز الخويطر، الرياض، 1396 هـ/1976 م، ص 178 - 179. (2) انظر ما يقرب من أربعين مثالا في د. أحمد أبو الوفا كتاب الإعلام بقواعد القانون الدولي والعلاقات الدولية في شريعة الإسلام، المرجع السابق، ج 3، ص 198 وما بعدها.

(3) أحمد زكي صفوت جمهرة رسائل العرب المكتبة العلمية، بيروت، ج 4، ص 11. الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1349 هـ/ 1931 م، ج 3، ص 344. السيوطي: تاريخ الخلفاء المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، 1371 هـ/1952 م، ص 338. (4) راجع تاريخ الرسل والملوك (تاريخ الطبري)، دار المعارف، القاهرة، ط الثالثة، ج 8 ص 307 وما بعدها. ابن أنجب الشهير بابن الساعي: تاريخ الخلفاء العباسيين تحقيق د. عبد الرحيم الجمل مكتبة الآداب، القاهرة، 1413 هـ/1993 م، ص 34.