النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٥٧٨

578

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

ومظاهر ذلك في شريعة الإسلام كثيرة:

وهكذا إذا حدث نقض للعهد المبرم بين المسلمين وغير المسلمين فخرج منهم خارج فقال: أنا على الهدنة التي كانت، وذكر أنه لم يكن ممن غدر: قُبل قوله إذا لم يعلم الإمام غير ما قال، فإن علم الإمام غير ما قال نبذ إليه ورده إلى مأمنه ثم قاتله وسبى ذريته وغنم ماله). فأين هذا مما هو مطبق الآن: إذ الدول الآن ما أن تظفر بأحد أعدائها إلا وتحاكمه محاكمة لا هوادة فيها. أما في الإسلام - وحتى إذا ثبت أن الشخص قد نقض العهد وعلم الحاكم المسلم بذلك؛ فإن عليه أن يرده إلى مأمنه ولا يمسه بأي سوء.

يبلغ

يدل على ذلك أيضاً ما جاء في السير الكبير (بخصوص انتهاء مدة الموادعة): «وإن مضت المدة فقد انتهت الموادعة وحل قتالهم بغير نبذ الأمان إلا من كان منهم في دارنا بتلك الموادعة فهو آمن، وإن مضت المدة حتى يعود إلى مأمنه؛ لأنَّه حصل آمنا في دارنا فما لم مأمنه لا يرتفع حكم ذلك الأمان» (2). فأين ذلك مما تفعله الدول حالياً بالرعايا الأجانب في مثل هذه الأحوال: من شحنهم بالمئات في سيارة واحدة أو حجزهم بالمئات في سجن ضيق، أو التنكيل بهم وتعذيبهم إذا تم القبض عليهم بعد انتهاء مدة إقامتهم.

ويقول الإمام الباجي: «ولو تقدم الإمام بمنع التأمين ثم تعدى بعد ذلك رجل من المسلمين فأمن أحداً كان للإمام رد تأمينه ورد الحربي إلى ما كان عليه قبل الأمان إن لم يعلموا منع الإمام وإن علموا» (3).

ولا شك أن مقتضى القول برد الحربي إلى الأمان سواء كان يعلم بنهي الإمام أم كان لا يعلم، أي استفادته من أثر الاتفاق المبرم معه، يتجاوز ما استقرت عليه قواعد القانون الدولي المعاصر والتي تقرر أنه في حالة العلم لا يستفيد الطرف في المعاهدة الذي يعلم بواقعة ما من سوء نيته. ومن ذلك «مبدأ الغاية لا تبرر الوسيلة في الإسلام، حتى في إطار العلاقات الدولية». ولعل واضحاً من رسالة عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص ومن معه من الأجناد.

ذلك

يبدو

ولا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح» (4).

(1) الأم، الشافعي، تراثنا، طبعة مصورة عن طبعة بولاق 1321 هـ، ج 4، ص 108

(2) شرح كتاب السير الكبير للشيباني، معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية، القاهرة، 1973، ج 5، ص 171. (3) الإمام الباجي: كتاب المنتقى شرح موطأ الإمام مالك بن أنس، دار الكتاب الإسلامي، الطبعة الثانية، ج 3، ص 173. (4) النويري: نهاية الأرب في فنون الأدب، طبعة مصورة عن طبعة دار الكتب القاهرة، ج 6، ص 169.