النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٧٩نحو نظرية للعلاقات الدوليّة في الفقه الإسلامي
د. أحمد أبو الوفا
579
- ومن ذلك «مبدأ المجازاة في حدود الفضيلة». والذي يؤيده ما ذكره عقبة بن عامر الجهني له أنه قدم على أبي بكر الصديق له برأس يناق البطريق فأنكر ذلك. فقيل: يا خليفة الله رسول إنهم يفعلون ذلك بنا، فقال: «فاستنان بفارس والروم؟ لا يحمل إلى رأس، إنما يكفي الكتاب والخير وفي رواية قال لهم: «لقد بغيتم» (أي تجاوزتم الحد)). ويؤيد ذلك أيضاً ما قرروه بخصوص: من لا يجوز قتله من الراهب ومن معه ممن ذكر، فإنه يترك له قوته من ماله أو مال غيره من الكفار، وإلا وجب على المسلمين مواساته بما يعيش به» (2). وتبدو النزعة الأخلاقية للإسلام حتى في مجال العلاقات الاقتصادية الدولية، مما جاء في الفتاوى الهندية أن العاشر: يأخذ من الحربي العشر إلا أن يأخذوا من تجارنا أكثر، أو أقل فيؤخذ منهم كذلك، وإن لم يأخذوا منا شيئاً لم نأخذ منهم شيئاً مجازاة لهم على صنيعهم، وإن أخذوا منا جميع المال يؤخذ منهم جميع المال إلا قدر ما يبلغه إلى مأمنه» (3).
ولا شك أن منع أخذ إلا قدر ما يبلغه إلى مأمنه ينم عن نزعة أخلاقية إسلامية تتفق مع مبادئ الإسلام الكلية وأصوله الثابتة، ذلك أن عدم مجازاتهم بالمثل في هذه الحالة، تبرره ضرورات إنسانية لا تخفى على كل ذي لب أو أي صاحب فطنة أو فطرة سليمة.
بل إن القائد المسلم قد يتوقف عن القتال رغم إمكانية تحقيق النصر العسكري، رغبة في منع سفك دماء غير المقاتلين، ولترغيب الطرف الآخر في الجنوح إلى الحل السلمي: من ذلك حينما غزا «ماردة» الأمير عبد الرحمن بن الحكم فلما كان العام السابع من الغزو، وأشفى بهم على العطب، وضعف أهل ماردة عن دفاعهم، فسمع صراخ النساء وعويل الصبيان، وعجيج البكاء، فأمر بالإمساك عنهم، وقبض أهل العسكر عن قتالهم، ثم دعا بوزرائه وقواده، وقال لهم: قد علمتم ما كان من تغلب حشمنا ورجالنا على هؤلاء الظلمة لأنفسهم، ولم يكن رفعنا ما رفعناه عنهم إلا رقبة الله وعمل فيهم، وتخوفاً من قتل ولدانهم وأطفالهم، ومن لا ذنب له ممن استكره على نفسه منهم، ونحن نرى استجلاب النصر من حيث عَوَدَنا الله وعرفنا من العفو والصفح، وقد عزمت على الانتقال عنهم، فإن أبصروا قدر يدنا في الإبقاء عليهم، ومراقبة الله فيهم، وإلا كان الله من ورائهم محيطاً … فلم ينتقل إلى محله حتى أتته رسلهم بطاعتهم، والإلقاء إليه بأيديهم».
(1) شرح كتاب السير الكبير للشيباني، المرجع السابق، ج 1، ص 110 - 111.
(2) الشيخ أحمد النفراوي: الفواكه الدواني على رسالة أبي زيد القيرواني، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، 1374 هـ/1955 م، ج 1، ص 468.
(3) راجع الفتاوى الهندية، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الرابعة، ج 1، ص 184.
(4) «أخبار مجموعة في فتح الأندلس وذكر أمرائها رحمهم الله والحروب الواقعة بها بينهم»، تحقيق: إبراهيم الإبياري، دار الكتاب المصري، دار الكتاب اللبناني، القاهرة - بيروت، 1410 هـ / 1989 م، ص 124 - 125.