النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٩تأصيل منهج النظريات
الشيخ أفلح بن أحمد الخليلي
وقيل: موضوعات فقهية، أو موضوع يشتمل على مسائل فقهية أو قضايا فقهية، حقيقتها: أركان وشروط وأحكام، تقوم بين كل منها صلة فقهية تجمعها وحدة موضوعية تحكم هذه العناصر جميعاً.
والذي يظهر من مدلول هذه التعريفات ما يلي:
•
إن النظرية مفهوم عام كلّي؛ ولهذا يتناول الموضوعات المتشابهة في الأركان والشروط والأحكام العامة؛ وهي تشكل الوحدة والاتساق في جميع الجوانب»، بحسب تعبير بعض الدارسين وفي إطلاقه نظر سيتجلى في ما بعد عند تناول الدراسة لدور علم الفروق بإذن الله وإن كان الأمر يتوقف على وحدة موضوعية بحسب تعبير بعض
التعريفات.
إن النظرية استقت مكونات أسلوبها - أو عناصر قوتها - من علم القانون، ولهذا يرد في تعريفات بعض أساطين هذا الفن بأنها المفهوم الحقوقي أو النظام الحقوقي، ولي مع هذا الكلام وقفة أرجئها إلى محلّها بإذن الله.
إن قوة النظرية تكمن في جمع شتات متفرّق ليشكّل لبنات بناء جديد يعني بالكليات لا بالجزئيات.
وهذه الملاحظات هي دفقة الدم التي تندفع إلى الشرايين فتبثّ فيها روح الحياة بإذن الله تعالى، ولهذا ستخط من خلف الستار كثيراً من أحرف هذا البحث.
وقد عاب بعض المعاصرين تسميتها بالنظرية؛ لعدم مطابقة المدلول للموضوع، والذي يظهر أن لإطلاقه وجهاً وجيهاً، فالنظر لغة يقتضي التأمل البصري بالجارحة والنظرية تقتضي التأمل القلبي بالعقل والفؤاد؛ فيعيد أهل العلم البصر كرتين حتَّى تبنى على قاعدة صلبة.
والنظر مقدمة شرعية للإيمان؛ حتَّى قال بعض أهل العلم بأنه أول الواجبات، ودقته نتيجة حتمية له، والدور الذي بينهما ليس ممنوعاً، فالله تعالى أمر بالنظر في عدة مواضع؛ منها قوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: 24]، ويقول جل شأنه: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَنُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: 5]
(1) كثيراً ما يقع النقاش في المصطلحات مع اتفاق على المضامين، وسدّاً لهذا الباب وظفت قاعدة «لا مشاحة في المصطلحات»، والذي يظهر بأن إطلاق القاعدة لا بد من تقييده، وهو أنه لا تنبغي المشاحة في المصطلحات حينما يكون لإطلاقها وجه، أما إن كانت تناقض المدلول اللغوي أو تتعارض مع القيم الشرعية. وهو أشد خطباً ـ فلا يمكن قبولها، وكثيراً ما كنت أسمع والدي حفظه ربي يكرر في محاضراته ودروسه التحذير من تسمية الربا فائدة والخمر شراباً روحياً والرقص والمجون فناً والزنا وما شابهه حباً. وعليه فالأولى أن تكون القاعدة لا مشاحة في المصطلحات المعتبرة» ومصطلح النظريات من هذا القبيل.
59
59