النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٥٨٣

نحو نظرية للعلاقات الدوليّة في الفقه الإسلامي

د. أحمد أبو الوفا

583

كذلك جاء في العروة الوثقى: كيف لا نلوم أنفسنا ونحن نرى الأجانب عنا يغتصبون ديارنا، ويستذلون أهلها، ويسفكون دماء الأبرياء من إخواننا، ولا نرى في أحد منا حراكاً).

تاسعاً:

ا: عدم التردد في اتخاذ الموقف الذي يتفق وشريعة الإسلام حتى ولو ترتب عليه آثار أو جزاءات اقتصادية سيئة

أ ـ في القانون الدولي المعاصر: من الأمور التي تحدث في العلاقات الدولية المعاصرة تردد إحدى الدول في مواجهة دولة أخرى أو في قطع العلاقات الدبلوماسية أو الاقتصادية والثقافية معها، أو اتخاذ موقف متشدد تجاهها خوفاً من رد هذه الدولة بإجراءات مضادة (كوقف المعونات الاقتصادية، أو منع السائحين من السفر إليها، أو وقف تصدير القمح وغيره من السلع الغذائية … إلخ).

في الشريعة الإسلامية: حدث موقف مشابه ذكره القرآن الكريم، في قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمُ قَتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ).

يقول محمد بن إسحاق إن قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ: يرجع إلى أن الناس قالوا لتقطعن عنا الأسواق ولتهلكن التجارة وليذهبن عنا ما كنا نصيب فيها من المرافق، فأنزل الله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ) من وجه غير ذلك. ويفسرها ابن العربي بقوله: «المعنى إن خفتم الفقر بانقطاع مادة المشركين عنكم بالتجارة

التي كانوا يجلبونها فإن الله يعوض عنها» (3).

ج - رأينا الخاص: مما تقدم يمكننا أن نقرر:

أولاً: إن على الدولة الإسلامية أن تتخذ الموقف الذي يمليه عليها دينها ومصالحها ومصالح

(1) جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده العروة الوثقى، دار الكتاب العربي، بيروت، 1389 هـ/1970 م، ص 172. (2) تفسير ابن كثير، ج 2، ص 346، ومعنى العيلة الفاقة أو الفقر، وهي من عال يعيل عيلة وعيولًا. فقد خاف المؤمنون من الفقر بمنع المشركين من أن يقربوا المسجد الحرام مما يترتب عليه انقطاع تجارتهم ودخول ضرر على المؤمنين بانقطاع ذلك، فأمنهم الله من العيلة وعوضهم عما كانوا يكرهون انقطاعه عنهم راجع أيضاً: تفسير الطبري، دار المعارف، القاهرة، ج 14، ص 192 - 193). ويقول الزركشي: «إن خفتم انقطاع التجارة عنكم، فاعتصموا بفضل الله (الإمام الزركشي: إعلام الساجد بأحكام المساجد، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1416 هـ/1996 م، ص 174).

(3) ابن العربي: أحكام القرآن المرجع السابق، ج 2، ص 903. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن المرجع السابق، ج 8، ص 107.