النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٨٦586
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
ثانياً: مبدأ المجازاة أو المعاملة بالمثل:
الله الله
يعد مبدأ المعاملة بالمثل من المبادئ الكلية التي قررها وأكدها الإسلام. يقول مؤكدا هذا المبدأ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 194]. {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَبِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّكَ بِرِينَ [النحل: 126]. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغَى هُمْ يَنتَصِرُونَ * وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَيْكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: 39 - 41]. ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ، ثُمَّ بُغْيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج: 60].
والإسلام
لا بالمعاملة بالمثل إلى أقصى مدى لها، وإنما هناك حدود وضوابط لا يجوز يسير
(2)
تعديها في حدود القواعد والمبادئ الإسلامية واجبة التطبيق.
ومن تطبيقات مبدأ المعاملة بالمثل: ما حدث حينما تعرض المغيرة بن شعبة لمضايقات حينما ذهب سفيراً إلى ملك الفرس فقال: «إنا لا نفعل هذا برسلكم، فإن كنتم عجزتم فلا تؤاخذوني، فإن الرسل لا يفعل بها هذا». قال: فكفّوا عني (3).
كذلك لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن عثمان بن عفان قد قتل ـ وكان قد بعثه في رسالة إلى المشركين - بايع أصحابه وكانوا ألفاً وأربعمائة تحت الشجرة على قتال المشركين (رغم أن ذلك كان أثناء أحد الأشهر الحرام). فلما علم أن عثمان لم يقتل كف عن ذلك. وجنح إلى المسالمة والمصالحة.
(1) حري بالذكر أن تسمية المعاملة بالمثل هي المستقرة حاليا للفظين الفرنسي (La reciprocite) والإنكليزي (The reciprocity). ولم يستخدم فقهاء المسلمين تلك التسمية بكثرة. وإنما استخدموا بدلاً منها كلمة المجازاة. يقول الشيباني: إن أهل الحرب إن كانوا لا يأخذون من تجارنا شيئاً لم نأخذ من تجارهم أيضاً شيئاً لأن الأخذ بطريق المجازاة)، شرح كتاب السير الكبير للشيباني، المرجع السابق، ج 5 ص 1789 - 1790). ذلك أنه: (كما تجازي تجازى) (الزمخشري: أساس البلاغة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1985، ج 1، ص 123). كذلك فإن جازاه تعني: (أثابه وعاقبه) (مجمع اللغة العربية: المعجم الوجيز القاهرة. 1400 هـ/1980 م، ص 105). وقد يستخدم فقهاء المسلمين لفظة القصاص كمرادف للمعاملة بالمثل. يقول الطبري: القصاص هو المجازاة من جهة الفعل أو القول أو البدن الإمام الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار الفكر، القاهرة، ج 2 ص 199).
ما
(2) في هذا المعنى يقول الشيخ أبو زهرة والعدالة توجب على المسلمين أن يعاملوا غيرهم بمثل ما يعاملهم به غيرهم، وهذا يسمى في العرف الدولي: المعاملة بالمثل. ولكن الإسلام لا يسير في المعاملة بالمثل إلى أقصى مدى .. لأنه مقيد بالفضيلة والأخلاق السامية. فإذا كان المخالف من الدول ينتهك حرمة الفضيلة لا ينتهكها المسلمون ولو كان ذلك في حالة حرب. فإذا كان العدو يستبيح قتل الذرية والضعاف من الرجال والنساء الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً. وإذا كان يقطع الأشجار من غير فائدة أو كان يستبيح دماء الشعوب وتجريمها وضرب الآمنين في مأمنهم فإن الإسلام لا يستبيح ذلك؛ لأن المعاملة الإسلامية مقيدة بالفضيلة والانطلاق من قيودها عند غيره لا للفاضل أن ينطلق هو أيضاً من قيودها. أن نتجاوز يصح في أعمالنا الحدود. فالمعاملة بالمثل قيد للمسلم فوق الفضيلة وقيوده أشد وأوثق من قيود غيره، كما هو المعاملة بين الفاضل والمفضول». الشيخ محمد أبو زهرة المجتمع الإسلامي في ظل الإسلام، ص 410 - 411). (3) انظر كتاب الخراج لأبي يوسف المطبعة السلفية، القاهرة، 1352 هـ، ص 32 - 33.
ولا الشأن
في
يبيح