النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٨٧نحو نظرية للعلاقات الدوليّة في الفقه الإسلامي
د. أحمد أبو الوفا
587
وبخصوص نهيه صلى الله عليه وسلم عن المثلة، يقول الإمام الخطابي: وهذا إذا لم يكن الكافر فعل مثل ذلك بالمقتول المسلم فإن مثل بالمقتول جاز أن يمثل به، ولذلك قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم أيدي العرنيين وأرجلهم وسمر أعينهم، وكانوا فعلوا ذلك برعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك هذا في القصاص بين المسلمين إذا كان القاتل قطع أعضاء المقتول وعذبه قبل القتل؛ فإنه يعاقب بمثله، وقد قال تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194].
وقد طبق المسلمون مبدأ المعاملة بالمثل في أحوال كثيرة: من هذا القبيل أن حيّاً من العرب فرَّ إلى بلاد الروم، فكتب بذلك الوليد بن عقبة إلى الخليفة عمر بن الخطاب، فكتب عمر إلى ملك الروم: بلغني أن حياً من أحياء العرب ترك دارنا وأتى دارك، فوالله لتخرجنه أو لننبذن إلى النصارى (أي ننذرهم ثم لنخرجنهم إليك، وأمام هذا
التهديد باللجوء إلى مبدأ المعاملة بالمثل اضطر ملك الروم إلى الاستجابة إلى طلب عمر ومن ذلك حينما طلب المسلمون سنة 446 هـ من ملك الروم إطلاق من في بلاده من الأسرى، فأجاب بأنه إذا أطلق من لهم في بلاد الإسلام من أسرى الروم أطلق من في بلاد الروم من أسرى المسلمين. فأجيب بأنه لا يصرح التماسه ذلك؛ لأنَّ من أسر من بلاد الروم تفرقوا في الممالك بالعراق والدول الفاطمية والمغرب واليمن وغير ذلك. ولا حكم للحضرة على جميع الممالك. وبلاد الروم بخلاف ذلك، ومن حصل فيها من المسلمين كمن هو معتقل في دار واحدة لا يمكنه الخروج منها إلا بإذن أهلها، وبين الحالين فرق كبير، فأجاب بأنه لا يطلق من في بلاده من أسرى المسلمين. فاشترط عليه النزول عما صار في أيدي الروم من الحصون الإسلامية؛ فامتنع من ذلك وقال: إذا سلم إلينا ما صار في أيدي المسلمين من حصون الروم سلم ما في أيديهم من حصون المسلمين (2) وهكذا يتضح لنا من كل ما تقدم أن المعاملة بالمثل يحكمها في الشريعة الإسلامية أمران: في الابتداء، وفي الانتهاء:
ابتداء، بمعنى أنه لا يجوز للمسلمين معاملة الآخرين بنوع من المعاملة غير المشروعة التي قد تستوجب ردهم بالمثل. وانتهاء، بمعنى أنه إذا ارتكب الآخرون أشياء غير مشروعة فيمكن الرد عليهم بالمثل في حدود الفضيلة ومع مراعاة التقوى. وبالتالي لا يجوز أن يؤدي اللجوء إلى المعاملة بالمثل إلى انتهاك حق آخر تحميه الشريعة الإسلامية نفسها كالحق في الأمن المعطى للرهائن.
(1) هذه القصة مذكورة في د. سليمان الطماوي: عمر بن الخطاب وأصول السياسة والإدارة الحديثة، دار الفكر العربي، القاهرة، 1996، ص 292.
(2) المقريزي: اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا، المرجع السابق، ج 2، ص 227 - 228.