النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٩١نحو نظرية للعلاقات الدوليّة في الفقه الإسلامي
د. أحمد أبو الوفا
591
والوفاء بالصلح اتبعه المسلمون بعد وفاته، وهكذا وصى أبو بكر الصديق يزيداً قائد جيش الشام بوصية جامعة، حيث قال له: «ولا تغدروا إذا عاهدتم ولا تنقضوا إذا صالحتم». وفائه بالصلح ما يلي:
أمثلة ومن
ما حدث حينما رد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بصير بعد أن انفلت من قريش وجاء إليه، وكان صلح الحديبية ينص على رد من جاء منهم ولو كان مسلماً، فرجع أبو بصير وقتل العامري الذي جاء من قريش ليصطحبه وأخذ سلبه، فجاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال خمسة يا رسول الله، رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني إذا خمسته رأوني لم أوف بالذي عاهدتهم عليه، أو قال: «إني إذا فعلت هذا لم أف لهم بعهدهم الذي عاهدتهم عليه».
فقال
ومن ذلك ما حدث في غزوة خيبر حينما وقع المسلمون في حرث اليهود وبقلهم بعد المساقاة، فشكت اليهود ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد.
ويقال: عبد الرحمن بن عوف، فنادى: «إن الصلاة جامعة، ولا يدخل الجنة إلا مسلم». فأجاب الناس. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن اليهود شكوا أنكم وقعتم في حظائرهم، وقد أمناهم على دمائهم وعلى أموالهم والذي في أيديهم من أراضيهم وعاملناهم، وإنه لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها. فكان المسلمون لا يأخذون من بقولهم شيئاً إلا بثمن، فربما قال اليهودي للمسلم أنا أعطيكه فيأبى المسلم إلا بالثمن» (3).
ب
تطبيقات هذا المبدأ:
1
لا يجوز أن يطلب من أهل الصلح أكثر مما صولحوا عليه:
علة ذلك أن القاعدة في الإسلام هي الوفاء بالعهد، لا أكثر ولا أقل.
من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «تقاتلون قوماً فتظهرون عليهم فيتقونكم بأموالهم، دون أنفسهم وأبدانهم، يصالحونكم على صلح فلا تأخذوا منهم فوق ذلك، فإنه لا يحل لكم ذلك».
(1) الواقدي: فتوح الشام، دار الجيل بيروت، ج 1، ص 8. (2) الواقدي: كتاب المغازي، ج 2، ص 626 - 627.
(3) الواقدي: كتاب المغازي، المرجع السابق، ج 2، ص 691. كذلك في وصية عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص لا قال: «وأقم بمن معك في كل جمعة يوماً وليلة حتى تكون لهم راحة يحيون فيها أنفسهم ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم، ونح منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة، فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه، ولا يرزاً أحداً من أهلها شيئاً فإن لهم حرمة وذمة، ابتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر عليها. فما صبروا لكم فتولوهم خيراً، ولا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح». انظر: العقد الفريد لابن عبد ربه، دار الكتب العلمية، بيروت، 1984، 91، ص 130 - 132، وكذلك خطب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ووصاياه، تحقيق: د. محمد أحمد عاشور، دار الاعتصام، القاهرة، 1405 هـ/1985 م
م، ص 114.