النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٥٩٤

594

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

في هذا المعنى يقول ابن شاهين الظاهري إن على الملك: «أن لا يفتح باباً يعجز عن سده ولا يرمي حجراً يعجز عن رده» (1).

وأمثلة ذلك كثيرة:

من ذلك حينما أرسل صاحب الإسكندرية إلى عمرو بن العاص يطلب الصلح على أمور من

بينها رد من تفرق من سبيهم بأرض العرب، فكتب عمر بن الخطاب إلى عمرو: بعدم الموافقة على

ذلك لعدم إمكانية تنفيذه. وهكذا جاء في كتاب عمر: «فإنا لا نقدر على ردهم، ولا نحب نصالحه على أمر لا نفي له به» (2).

أن

ومن ذلك الرسالة التي بعث بها الإخشيد يرد فيها على كتاب من «أرمانوس» ملك الروم بخصوص فداء الأسرى، حيث ذكر له أنه بعث إلى عماله في سائر أعماله بجمع الأسرى الروم الموجودين لديهم، واختتم الرسالة بقوله: (وأخرنا إجابتك عن كتابك، ليتقدم فعلنا قولنا، وإنجازنا وعدنا».

-

5

عدم اللجوء إلى الوعيد إلا إذا كانت الدولة قادرة على تنفيذه من حيث الواقع يحلو لبعض الحكام اللجوء إلى التهديدات وصنوف وعيد لا يستطيعون تنفيذها، وإنما هي فقط، وبالدرجة الأولى للاستهلاك المحلي، كما يقول أهل الفرنسية Pour la consummation locale، أو كما يقول ـ في نفس المعنى - أهل الإنكليزية For local consumption . ولا شك أن من

شأن ذلك تدني هيبة الدولة وعدم الاهتمام بما قد يصدر عن المسؤولين فيها.

لذا، من المعروف - حالياً ـ في إطار النظرية العامة للعلاقات الدولية أن مصداقية The crediworthiness - La crédibilité الوعيد أو ما يصدر عن مسؤولي الدولة من تصريحات يجب أن تدعمه وتؤيده قدرة على التنفيذ إلا إذا وجدت ظروف قهرية تحول دون ذلك. وهذا ما قرره فقهاء المسلمين أيضاً منذ زمن بعيد.

يقول الإمام الماوردي: وليكن وفاؤك بالوعد حتماً، وبالوعيد حزماً؛ لأنَّ الوعد حق عليك، والوعيد حق لك على غيرك، فكنت فيه على خياريه، فمن أجل ذلك لم يجز خلف الوعد، وإن جاز إخلاف الوعيد … لكن ينبغي أن يقترن بخلف الوعيد عذراً حتى لا يهون وعيدك ليكون نظام الهيبة به محفوظاً، وقانون السياسة فيه مضبوطاً، فأظهره إن خفي لتكون بإخلاف وعيدك معذورا، وبعفوك عنه مشكوراً» (4).

(1) ابن شاهين الظاهري: كتاب زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك صححه بولس راوس، دار العرب للبستاني، القاهرة، 1988 - 1989، ص 58.

(2) أحمد زكي صفوت: جمهرة رسائل العرب، المكتبة العلمية، بيروت، ج 1، ص 190.

(3) القلقشندي: صبح

الأعشى في

صناعة الإنشاء، دار الكتب، القاهرة، ج 7، ص 10 وما بعدها. (4) الإمام الماوردي: قوانين الوزارة، مؤسسة شباب الجامعة الإسكندرية، 1411 هـ/ 1991 م، ص 49 - 50.