النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٥٩٥

نحو نظرية للعلاقات الدوليّة في الفقه الإسلامي

د. أحمد أبو الوفا

595

كذلك يقول الجاحظ: «والإكثار من الوعيد للأعداء فشل، ولكن داج عدوك ما داجاك، وأحص معايبه ما لاحاك» (1).

خامساً: مبدأ عدم التدخل في شؤون الغير (2):

يعتبر هذا المبدأ من المبادئ الضابطة للعلاقات الدولية المعاصرة. وقد نصت عليه المادة

7/ 2 من ميثاق الأمم المتحدة. وفي الإسلام نشير إلى المبدأ العام أولاً، ثم بعض مظاهره. 1 - المبدأ العام عدم جواز التدخل في شؤون الآخرين دولاً أو أفراداً: هذا المبدأ فدت عليه السُّنَّة النبوية في قوله: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». يقول الصنعاني: إن الحديث من جوامع الكلم النبوية يعم الأقوال ويعم الأفعال (3).

•

ولا شك أن الحديث بعموميته قابل للتطبيق في إطار العلاقات الدولية وفي علاقات الأفراد

العاديين.

(4)

2 - هل يجوز الاستعانة بغير المسلمين في القتال:

فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقاتل المشركين بالمشركين، وقال: «إنا لا نستعين بالمشركين على المشركين». علة ذلك: «أن الاستنصار بالأعداء محال، وأن الله تعالى يعدل بعضهم ببعض فلا ينصرهم، فمن أجلهم يخاف الحرمان» (5).

عن عائشة قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان تذكر منه جرأة ونجدة، ففرح به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه، فلما أدركه قال: جئت لأتبعك فأصيب معك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: «فارجع؛ فلن

(1) رسائل الجاحظ: الرسائل السياسية، دار ومكتبة الهلال، بيروت، ص 81 - 82.

(2) انظر تفصيلات أكثر في د. أحمد أبو الوفا كتاب الإعلام بقواعد القانون الدولي والعلاقات الدولية في شريعة الإسلام، دار النهضة العربية، القاهرة 1421 هـ/2001 م، ج 5، ص 1 - 198. (3) الصنعاني: سبل السلام المرجع السابق، ج 4، ص 353. (4) يقول ابن العربي بخصوص قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: 28] أن الآية: عموم في أن المؤمن لا يتخذ الكافرين ولياً في نصره على عدوه ولا في أمانة ولا بطانة. ويقول إن قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَةً﴾ [آل عمران: 28] يعني: (إلا أن تخافوا منهم، فإن خفتم منهم فساعدوهم ووالوهم وقولوا ما يصرف عنكم من شرهم وأذاهم بظاهر منكم لا باعتقاد، يبين ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَنُ بِالْإِيمَنِ﴾ [النحل: 106]، ابن العربي: أحكام القرآن، المرجع السابق، ص 7 (5) الحكيم الترمذي: المنهيات ص 253. ابن حمزة الحسيني الحنفي الدمشقي: البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف، المرجع السابق، ج 2، ص 47.

268 - 267