النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٥٩٧

نحو نظرية للعلاقات الدوليّة في الفقه الإسلامي

د. أحمد أبو الوفا

597

سادساً: مبدأ ترك إثارة الشر (1) ضد المسلمين وغير المسلمين:

1 - المبدأ العام

لا شك أن هذا المبدأ عظيم الأثر؛ إذ يترتب على اتباعه وجود علاقات دولية هادئة ومستقرة واستتباب السلم والأمن الدوليين، وعدم شن حروب غير مشروعة. وذلك على أساس أن مثل هذه الحروب هي أولى علامات الشر.

وقد ورد في القرآن الكريم ما يدل على ذلك، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَايِ ذِي الْقُرْفَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم﴾ [يونس: 123، وقوله: ﴿ثُمَّ بُغِى عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج: 60]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: 42].

وفي

السُّنَّة النبوية ما يفيد ترك إثارة الشر على الناس:

1 - من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (وأما أنا فأكره أن أثير على الناس شراً» (3).

2

ومن ذلك حينما شكا أصحاب النبي الله إليه فقالوا: إن المنافقين يلحظوننا بأعينهم، ويلفظوننا بألسنتهم؛ فقال: إذا مررتم بأهل الشرة فسلموا عليهم تطفأ عنكم شرارتهم

ونائرتهم» (4).

3 - ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والمشارة، فإنها تحيي العرة، وتميت الغرة».

4 - ومن ذلك حديث عائشة، قالت: استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ائذنوا له،

قلت

بئس أخو العشيرة، أو ابن العشيرة»، فلما دخل، ألان الكلام. قلت: يا رسول الله، الذي قلت، ثم ألنت الكلام؛ قال: «أي عائشة، إن شر الناس من تركه الناس (أو ودعه الناس اتقاء (فحشه (5).

(1) يقول ابن العربي: فأما اجتناب الشر فجميعه واجب. وأما فعل الخير فينقسم إلى ما يجب وإلى ما لا يجب. ابن العربي أحكام القرآن المرجع السابق، ج 2، ص

527

(2) انظر أيضاً: 2006 ، Ahmed Abou-el-Wafa: Islam and the West: Coexistence or Clash? Dar Al-Nahda Al-Arabia، Cairo. (3) فتح الباري شرح صحيح البخاري، المرجع السابق، ج 10، ص 560، باب ترك إثارة الشر على مسلم أو كافر). حديث رقم 6063.

(4) ابن حمزة الحسيني الدمشقي: البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف، المرجع السابق، ج 1، ص 109، حديث رقم 173. (5) يقول الشريف الرضي: وهذه استعارة عجيبة والمراد بها أن مشارة الناس تظهر المعايب وتخفي المناقب؛ لأن المهاتر المشاغب لا يقدر لمخاصمه على مثلمة إلا بحثها، ولا يجد له منقبة إلا دفتها، فكأنه يميت محاسنه ويحيي مساويه، وجعل عليه الصلاة والسلام الغرة في مكان المنقبة لتجمل الإنسان بنشرها، وجعل العرة في مكان المثلية لتهجن الإنسان بكشفها. الشريف الرضي: المجازات النبوية، مكتبة الحلبي، القاهرة، 1967، ص 176 - 177.