النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٩٩نحو نظرية للعلاقات الدوليّة في الفقه الإسلامي
د. أحمد أبو الوفا
599
سابعاً: أ: إمكانية المغايرة في التعامل الدولي بحسب أحوال المسألة المطروحة: من المعلوم أن تصريف أمور العلاقات الدولية للدولة، بما في ذلك أي قرار، في هذا الشأن، يتوقف على عوامل عديدة منها مصلحة الدولة الإسلامية، علاقات القوة القائمة، ماهية الظروف والملابسات والبيئة المحيطة، القوى الكبرى الموجودة … الخ، فالأمر إذاً لا يكون على وتيرة أو سياسة واحدة.
لذلك، مثلاً، خصص الثعالبي فصلاً عنوانه: «في الأعداء وما يوجبه الوقت والحال من ملاينتهم ومخاشنتهم ومقارعتهم وموادعتهم).
ولعل خير من عبر عن كل ذلك، ابن طلحة بقوله: «إذ كم من ملك تختلف لديه عظائم الأمور ويتعارض بين يديه أسباب الحزن والسرور ويرد عليه رسل ملوك الأطراف بمختار ومحذور فيحتاج في ذلك إلى رد وقبول وعلو ونزول وإشراق وأفول وإسعاف بمأمول واتصال لمقطوع وقطع لموصول ما تقتضيه مصلحة المملكة التي لا يجوز عنها صدوف ولا عدول. كذلك شبه الإمام الشيباني إمكانية عقد الهدنة أو الموادعة عند ضعف المسلمين، وعدم عقدها عند قوتهم، تشبيهاً حسياً بليغاً، بقوله: «ألا تري أن الصغير يمص اللبن ما لم تنبت أسنانه، ثم يمضغ اللحم بعد نبات الأسنان، فبهذا يتبين أن النظر في الموادعة عند ضعف حال المسلمين، وفي الامتناع منها والاشتغال بالقتال عند قوة المسلمين» (3).
وهكذا فإن الظاهرة الملحوظة في الإسلام هي تعدد أدوات أو وسائل التعاون الدولي»، إذ لم يحصر الإسلام ذلك في أداة أو أدوات معينة للتعامل، بل عدد من هذه الأدوات: فلم ينظر الإسلام إلى أدوات التعامل الدولي على أنها إما حرب أو سلام، وإنما وضع لكل ظرف ما يناسبه من الأمور وفقاً للظروف المحيطة والعوامل المؤثرة في كل حالة.
ولعل ذلك ما قصده الإمام ابن عبد السلام حينما قرر أنه إذا اجتمعت المصالح فإن أمكن تحصيلها حصلناها، وإن تعذر تحصيلها حصلنا الأصلح فالأصلح والأفضل فالأفضل (4). ويضرب لذلك أمثلة عديدة من بينها:
(1) الثعالبي آداب الملوك، تحقيق: د. جليل العطية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1990، ص 172 لذلك أيد فقهاء المسلمين ـ كما ذكرنا - مبدأ الحل السلمي للمنازعات الدولية، فقد خصص الإمام القلعي - مثلاً - باباً في إيثار السلم والموادعة على الحرب والمنازعة وكيفية الدخول في الحرب عند الحمل عليها والاضطرار إليها الإمام القلعي تهذيب الرياسة وترتيب
السياسة، المرجع السابق، ص 225).
(2) ابن طلحة العقد الفريد للملك السعيد، القاهرة، 1311 هـ، ص 5. (3) شرح كتاب السير الكبير للشيباني، المرجع السابق، 172، ج 5.
(4) ويستند في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 17، 18]، وقوله: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم﴾ [الزمر: 55]، وقوله: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: 145].