النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٠١

نحو نظرية للعلاقات الدوليّة في الفقه الإسلامي

د. أحمد أبو الوفا

601

نهي

الله

ويلاحظ أن المجاملة في الإسلام يجب ألا تكون على حساب الغير، ولعل خير ما يدل على الإسلام عن ذلك ما حدث حينما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتحدث مع بعض وجهاء قريش، فجاء أعمى يسأله أن يعلمه شيئاً من القرآن فخشي الرسول صلى الله عليه وسلم إن انصرف إليه أن يغضب وجهاء قريش الذين كان يطمع في إسلامهم، فانصرف عن الأعمى، فعاتبه الله بقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَا مَن جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنتَ عَنْهُ نَلَهَى كَلَّا إِنَّهَا نَذكِرَةٌ فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: 1 - 12]. *

**

فرغم أن الرسول جامل وجهاء قريش مجاملة موقتة طمعاً في إسلامهم من دون قصد الإساءة لمن جاءه أعمى، إلا أن القرآن - لمجافاة ذلك لمبدأ أساسي من مبادئ الشريعة وهو مبدأ المساواة - قد عاتبه عتاباً شديداً.

والمجاملة في الإسلام تفترض أن يكون الظاهر مطابقاً للباطن منعاً للنفاق المذموم؛ لذلك يقول تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلَّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَسِقُونَ﴾ [التوبة: 8].

يقول الشوكاني بخصوص قوله تعالى: ﴿يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾: «أي يقولون بألسنتهم ما فيه مجاملة ومحاسنة لكم طلباً لمرضاتهم وتطييب قلوبكم، وقلوبهم تأبى ذلك وتخالفه وتود ما فيه مساءتكم ومضرتكم، كما يفعله أهل النفاق وذوو الوجهين).

ولم يغفل الإسلام قواعد المجاملات الدولية في هذا المقام، سواء أثناء تمتع رئيس الدولة أو السفير أو أي كريم في قومه بهذه الصفة، أو حتى بعد زوالها عنه. دليل ذلك ما يلي:

قاعدة: أنزلوا الناس منازلهم، وإذا أتاكم كريم قوم فأكرموه»:

ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أسارى بدر: لو كان المطعم بن عدي حيّاً ثم كلمني في هؤلاء النتنين لتركتهم له. واليد التي كانت لمطعم أنه لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف دخل في جواره، وقيل: إنه أعظم من سعى في نقض الصحيفة التي كانت كتبتها قريش في قطيعة بني هاشم، ومن معهم من المسلمين حينما حصروهم في الشعب. وقد مات المطعم قبل وقعة بدر، ويدل هذا الحديث على أنه «يجوز أخذ الفداء من الأسير والسماحة به لشفاعة رجل عظيم، وأنه ليكافأ المحسن ولو كان كافراً» (2).

(1) الشوكاني: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، الناشر: محفوظ العلي، بيروت، ج 3، ص 339 - 340. (2) راجع الصنعاني سبل السلام، المرجع السابق، ج 4، ص 118.