النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦٠٢602
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
يصبح
قاعدة: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم، وأكرموا عزيز قوم ذل»):
قد يحدث أن يفقد أحد رؤساء الدول أو الحكومات أو أي عزيز آخر منصبه، لسبب أو لآخر، أو ذليلاً بعد أن كان عزيزاً، وصغيراً بعد أن كان كبيراً، ولا شك أن لهذا أثره النفسي الكبير على الشخص وأهله. غير أن الإسلام - من منطلق إنساني بحت - يذهب، حتى في هذه الحالة، إلى إكرام الشخص والاهتمام به والاستجابة لمطالبه في بعض الأحوال.
من ذلك ما حدث لسفانة بنت حاتم الطائي حينما أتى بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت له: يا محمد هلك الوالد وغاب الرافض، فإن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب، فإن أبي كان سيد قومه يفك العاني ويقتل الجاني ويحفظ الجار ويحمي الذمار، ويفرج عن المكروب،
ويطعم الطعام ويفشي السلام ويحمل الكل ويعين على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجة فرده خائباً، أنا بنت حاتم الطائي». فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: يا جارية، هذه صفات المؤمنين حقاً لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، وقال فيها: «ارحموا عزيزاً ذل وغنياً افتقر وعالماً ضاع بين جهال». فأطلقها ومن عليها، فاستأذنته في الدعاء له، فأذن لها، وقال لأصحابه: اسمعوا وعوا، فقالت: أصاب الله ببركة مواقعه ولا جعل للئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا وجعلك سبباً في ردها عليه. فلما أطلقها صلى الله عليه وسلم رجعت إلى قومها فأتت أخاها عدياً وهو بدومة الجندل، فقالت له: يا أخي ائت هذا الرجل، قبل أن تعلقك حبائله، فإني قد رأيت هدياً ورأياً سيغلب أهل الغلبة، رأيت خصالاً تعجبني، رأيته الفقير ويفك الأسير يحب ويرحم الصغير ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه وإني أرى أن تلحق به، فإن يك نبياً فلسابق فضله، وإن يك ملكاً فلن نذل في عز اليمن. فقدم عدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فألقى إليه وسادة محشوة ليفاً، وجلس النبي صلى الله عليه وسلم على الأرض، فأسلم عدي بن حاتم وأسلمت أخته سفانة، وكانت من أجود نساء العرب 2
(2)
أمثلة أخرى للمجاملات الدولية في الشريعة الإسلامية:
لم يغفل الإسلام بقية القواعد الأخرى التي تتبعها الدول بخصوص المجاملات الدولية، ذلك أن ما سبق أن ذكرناه ليس إلا نذراً من فيض لا يمكن الإحاطة خبراً بكل جوانبه ومناحيه، وسنكتفي هنا بذكر بعض هذه الأمور:
1
وهكذا فقد عرف المسلمون إرسال برقيات ورسائل التهانئ والتعزية إلى رؤساء الدول الأجنبية (3).
(1) تعليقاً على قوله: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم، فإن أحدهم ليعثر وإن يده بيد
الله
169
يرفعها».
(2) راجع الإبشيهي: المستطرف في كل فن مستظرف، البابي الحلبي، القاهرة، ج 1، ص (3) انظر أمثلة كثيرة في القلقشندي: صبح الأعشى في صناعة الإنشاء المرجع السابق، ج 9، ص 5 - 100.