النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦٠٣603
|
نحو نظرية للعلاقات الدوليّة في الفقه الإسلامي
د. أحمد أبو الوفا
2 - بل إن حكام المسلمين تقدموا في فن السياسة وآداب المعاملة الدبلوماسية، مع قدرتهم في الوقت نفسه على إخفاء نياتهم ومشاعرهم تجاه خصومهم، ومن أندر الرسائل في هذا الخصوص تلك الرسالة التي بعث بها صلاح الدين الأيوبي إلى بلدوين» ملك مملكة بيت المقدس يعزيه في وفاة أبيه ويهنئه بجلوسه على العرش بدلاً منه، والتي جاء فيها:
«أما
أن خص بعد الله الملك المعظم حافظ بيت المقدس بالجد الصاعد … فإن كتابنا صادر إليه عند ورود الخبر بما ساء قلوب الأصدقاء والنعي الذي وددنا أن قائله غير صادق … إلا أن الله سبحانه قد هوّن الحادث بأن جعل ولده الوارث، وأنسى المصاب بأن حفظ به النصاب، ووهبه النعمتين: الملك والشباب»).
1 - ولعل من أطرف مواقف المجاملة الدولية في سلوك الدول الإسلامية ما حدث حينما استعد جيش السلطان يوسف الأول وجيش «ألفونسو الحادي عشر لشن هجوم للسيطرة على جبل طارق، فما لبث أن تفشى الوباء الكبير في جنود النصارى وقضى على ملكهم، وقد سمح المسلمون لموكب الملك المتوفي باجتياز الطريق إلى أشبيلية، وأظهروا مروءة وتسامحاً في ذلك، حيث ارتدى معظم الأعلام المسلمين شارات الحداد مجاملة.
2 - ويؤكد ما تقدم بطريقة جلية، لا لبس فيها ولا غموض تلك الرسالة الشهيرة التي أرسلها الإخشيد إلى «أرمانوس ملك الروم ردّاً على كتابه الذي أرسله إليه، والذي جاء فيه أنه كاتبه، وإن لم تكن عادته أن يكاتب إلا الخليفة. وقد جاء رد الإخشيد مفعماً بالود والمجاملة، ولأهمية هذه الرسالة ـ كدليل على كيفية المجاملة في الرد وإن كان المرسل إليه ليس ملزماً بذلك - نورد أجزاء منها.
وما جاء في الرسالة المذكورة:
وما كنت أحب أن أباهيك بشيء من أمر الدنيا، ولا أتجاوز الاستيفاء لما وهبه الله لنا من شرف الدين الذي كرّمه وأظهره … لكنك سلكت مسلكاً لم يحسن أن نعدل عنه، وقلت قولاً لم يسعنا التقصير في جوابه، ومع هذا فإننا لم نقصد بما وصفناه من أمرنا مكاثرتك … إذ نحن نكرم عن ذلك، ونرى أن نكرمك عند محلك ومنزلتك، وما يتصل بها من حسن سياستك ومذهبك في الخير ومحبتك أهله، وإحسانك لمن في يدك من أسرى المسلمين، وعطفك عليهم .. ومن كان محموداً في أمره رغب في محبته؛ لأنَّ الخير أهل أن يُحب حيث كان … ».
(1) ذات المرجع، ج 7، ص 115 - 116
(2) راجع لسان الدين بن الخطيب كناسة الدكان بعد انتقال السكان - حول العلاقات السياسية بين مملكتي غرناطة والمغرب في القرن الثامن الهجري - تحقيق د. محمد كمال شبانة، دار الكاتب العربي، القاهرة، ص 37.