النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٠٦

606

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

جحدم

وقبل ذلك وفي عهد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حدث حينما بعث خالد بن الوليد بعد فتح مكة داعياً ولم يبعثه مقاتلاً إلى بني جذيمة، فأمرهم خالد أن يضعوا السلاح، فقال رجل منهم - يقال له -: ويلكم يا بني جذيمة، إنه خالد والله ما بعد وضع السلاح إلا الإسار، وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق، والله لا أضع سلاحي أبداً، فلم يزل قومه حتى نزعوا سلاحه، ووضع القوم السلاح لقول خالد. فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد عند ذلك، فكتفوا: ثم عرضهم على السيف، فقتل من قتل منهم.

فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رفع يديه إلى السماء، ثم قال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، فقال: يا علي، اخرج إلى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك، فخرج علي حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الأموال: حتى إنه ليدي لهم ميلغة الكلب، حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه، بقيت معه بقية المال، فقال لهم علي حين فرغ منهم: هل بقي لكم بقية من دم أو مال لم يؤدّ لكم؟ قالوا: لا. قال: فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطياً لرسول الله، مما يعلم ولا تعلمون، ففعل، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فقال: أصبت وأحسنت، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة قائماً شاهراً يديه، وهو يقول: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد» ثلاث مرات (2).

على

وتظهر لنا هذه الحادثة عدة أمور:

أولاً: إن الرسول الكريم لم يفعل ما تتبعه الكثير من الحكومات في الوقت الحالي من التستر أخطاء اء جيوشها وموظفيها، بل وإنكارها والتعتيم عليها، وإنما تبرأ صراحة منها. ثانياً: إنه وافق على ما فعله علي بن أبي طالب من التعويض أزيد مما يجب، وهذا ما لا يحدث أيضاً في العلاقات الدولية المعاصرة، والتي تتم في صورة اتفاقات تعويض إجمالي (Lump sum Agreements) تقتصر على تعويض بعض الضرر، وليس كله. ثالثاً: يقول الواقدي: إن المال الذي أرسله النبي مع علي استقرضه النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، وهذا

يدل على أن إزالة الضرر تحتم التصرّف بأقصى سرعة، وبحيث لا تتعلل الدولة بعدم وجود عندها، وهذا ما لا يحدث أيضاً في العلاقات الدولية المعاصرة بالنسبة لكثير من الدول.

ما

يجبره

(1) بحث الإمام البخاري هذه الحادثة تحت باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد» (صحيح البخاري، دار الشعب، القاهرة، ج 9، ص 91). (2) السيرة النبوية لابن هشام، ط الحلبي، القاهرة، ج 3، ص 428 - 431.

(3) الواقدي: كتاب المغازي، تحقيق: د. مارسون جوستس عالم الكتب، بيروت، طبعة مأخوذة عن طبعة جامعة أكسفورد، 1966، ج 3، ص 882.