النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦٠٧607
|
نحو نظرية للعلاقات الدوليّة في الفقه الإسلامي
د. أحمد أبو الوفا
عاشراً: إمكانية تقديم المساعدة الاقتصادية للعدو وعدم مقاطعته اقتصادياً: سنشير إلى الوضع في القانون الدولي ونردف ذلك بدراسة ما هو مقرر في الفقه الإسلامي:
1 ـ في القانون الدولي:
تلجأ الدول حالياً ـ في علاقاتها المتبادلة - إلى توقيع بعض العقوبات الاقتصادية كوسيلة للضغط على دولة معينة أو كإجراء مضاد لحملها على انتهاج سلوك ما، أو الامتناع عن مسلك معين. ومن هذه العقوبات المقاطعة (boycott) وهي عقوبة يمكن أن توقعها في ما بينها (في علاقاتها الثنائية مثلاً أو بالتطبيق لقرار صادر عن إحدى المنظمات الدولية. مثال ذلك الإجراءات غير العسكرية التي يمكن لمجلس الأمن اتخاذها في إطار الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والتي من بينها وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات البحرية والجوية والحديدية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات وقفاً كلياً أو جزئيّاً.
2 ـ في الفقه الإسلامي:
تم ممارسة المقاطعة العامة أو الحصار الاقتصادي أو منع التعامل مع المسلمين تجاه الرسول والمسلمين. فقد عقد المشركون معاهدة تعتبر من يرضى بالمسلمين أو يعطف عليهم أو يتعامل معهم أو يحمي أحداً منهم حزباً واحداً، وكذلك اتفقوا على ألا أو يبتاعوا منهم شيئاً وألا يبيعوهم يزوجوهم منهم، وكتبوا ذلك في صحيفة وعلقوها في جوف الكعبة لتوثيق وتأكيد نصوصها. وقد ضيق هذا الحصار الخناق على المسلمين حتى بلغ بهم الجوع أقصاه. فعن سعد بن أبي وقاص: أنه خرج ذات ليلة ليبول فسمع قعقعة تحت البول، فإذا قطعة من جلد بعير يابسة فأخذها وغسلها ثم أحرقها وسقفها بالماء وتقوى بها ثلاثاً، وقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه محصورين لمدة ثلاث سنوات في شعب بني هاشم حتى أنفقوا كل أموالهم وصاروا إلى حد الضر والفاقة.
وإذا كان من المقرر في الفقه الإسلامي أنه يجوز محاربة العدو بالحصار ومنع السابلة دخولاً وخروجاً، فإن السيرة النبوية المشرّفة تظهر أن البعد الإنساني في التعامل ـ حتى وقت الحرب ـ يجب عدم إغفاله، وأنه يمكن تقديم المساعدة الاقتصادية للعدو رغم حالة العداوة القائمة.
(1) يقول ابن عبد البر: فلما رأت قريش أن الإسلام يفشو وينتشر اجتمعوا فتعاقدوا على بني هاشم، وأدخلوا معهم بني المطلب أن لا يكلموهم ولا يجالسوهم ولا يناكحوهم ولا يبايعوهم. واجتمع على ذلك ملؤهم، وكتبوا بذلك صحيفة، وعلقوها في الكعبة. فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب كلهم كافرهم ومؤمنهم، فصاروا في شعب أبي طالب محصورين مبعدين مجتنبين، حاشا أبا لهب وولده، فإنهم صاروا مع قريش على قومهم فبقوا كذلك ثلاث سنين إلى أن جمع الله قلوب قوم من قريش على نقض ما كانت قريش تعاقدت فيه على بني هاشم وبني المطلب ابن عبد البر: الدرر في اختصار المغازي والسير، ص (2) المحقق الحلي: شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، مطبعة الآداب في النجف الأشرف، 1389 هـ/1969 م، ج 1.
(55