النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٢

62

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

6 -

فتناقش نظرية العبادة، وثم نظريات دونها كنظرية النجاسة أو نظرية الطهارة - والتعبير بها أولى لأن الشرع جاء للتطهير وهي نظرية خاصة إذا ما قورنت بما تقدمها؛ لأن الطهارة ليست إلا شرطاً من شروط صحة بعض العبادات كالصلاة والصيام - بناء على اشتراط الطهارة من الحدث الأكبر، أما الحدث الأصغر فلا يشترط فيه اتفاقاً - والطواف بالبيت.

3) نشأة النظريات:

يصوّر كثير من الدارسين أن علم النظريات نشأ متأخراً لا سيما في العالم الإسلامي، الذي لم يدرك ولم يفطن للنظريات إلا بعدما لقط فتاتاً من الموائد الغربية، وهذا التصور هو السائد، وهو مِمَّا يستشف من التعريفات السابقة الرباطة بين المفاهيم الحقوقية والنظريات ولست بحاجة إلى نسبة هذا القول لشهرته، لكن القول بذلك لا يخلو من نظر.

وإذا أردنا أن نحاكم هذا القول، فمن المناسب أن نعيد النظر إليه من زاويتين:

أولاهما حال الغرب نفسه؛ إذ هو بنفسه يعاني من التخصصات الضيقة المؤدية إلى تفكيك المعارف، وقطع أواصر الصلة بينها وبذلك يغيب النسق المعرفي الجامع بينها، وفي ذلك يقول العالم الفيزيائي هايزنبرغ منتقداً التجزئة في النظرة العلمية: «إننا نفتقد ما كان يتمتع به كبلر الذي رأى في العلاقات والترابطات بين أجزاء العالم ظاهرة كلية تتجلى فيها إرادة خالقها، والذي كان يعتقد بأن استيعابه لطبيعة الترابطات القائمة بين الأفلاك يؤهله لإدراك الكون، غير أنه ما زال ثمة أمل في أن يتوفر كل مرتبط … ».

(1) كلشني؛ مهدي من العلم العلماني إلى العلم الديني (بيروت: دار الهادي، ط 1، 1424 هـ/2003 م)، ص 168. وما قاله عن التناسق واضح في خلق الله تعالى من أصغر ذرة إلى أكبر مجرّة، فالالكترونات تدور حول النواة بنفس الطريقة التي تدور بها الكواكب

فلذا

حول نواتها الكبرى «النجوم»، وهذا يجلي وحدة الخالق والحكم التكويني في هذه الكائنات يتوافق مع الحكم التشريعي جعل الله الطواف حول الكعبة بنفس النظام الذي تسير عليه تلك الكائنات، بينما في صنع الإنسان اختل النظام مباشرة، فالساعة تدور بعكس ذلك النظام المرسوم. والعلم الكوني كالعلم الديني كلاهما له سننه المرسومة من قبله جل وعلا فهو في الأول يقول: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرُ﴾ [الملك: 2 - 4]، ويقول جل شأنه في مصدر العلم الثاني: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82] فشأن البشر التناقض، لا سيما في صناعاتهم وفي أفكارهم. ثم فرق جلي بين التفاوت والاختلاف؛ فالتشابه من موطن من دون غيره أدل على القدرة وعلى العظمة والعلم في الكتاب المسطور وفي الكون المنظور، ولهذا نجد الله تعالى يصف كتابه العزيز بقوله: متشابهاً. وفي الجانب الآخر لا نصف القرآن بالاختلاف تأدباً لكنه ينقسم إلى محكم ومتشابه ويشتمل على الوعد والوعيد والخبر والأمثال والأمر والنهي، وغيرها، ومع. التقسيم لا ترى مظهراً للتباين والتناقض فيه بخلاف كلام الناس الذي يظهر فيه التباين والتناقض عند اختلاف العلوم أو تباين أغراض المتكلم، وهكذا. أما بالنسبة للكون فهو وحدة واحدة باعتبار والانسجام والتناغم يربط بين أجزائه المتباينة؛ فهو نظام يضم في تلافيفه أكبر مجرة وأصغر ذرة، ولهذا قال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا .... مع اختلاف والاختلاف في المكونات التي تشكّل لبنات النظام العام المتجانس هو من أدل الدلائل على القدرة المطلقة …

هذا