النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٣

تأصيل منهج النظريات

الشيخ أفلح بن أحمد الخليلي

وهذه ملاحظة أدلى بها جماعة من مفكريهم، لكن التعويل على هذا الإيراد ضعيف، وذلك لأن النقد العام لا ينافي وجود النظرة الشمولية عند بعضهم، ونقد هايزنبرغ يوحي بأنه يرمي إلى النظرة العمومية بنفسه والخلاصة: أنّ النقد العام لا ينفي وجود السالم من ذلك النقد، لا سيما أن نقده كان منصباً على العلوم الطبيعية لا الفكرية والحقوقية والتشريعية، والفرق بين المجالين جلي. ثانيتهما: وجود نماذج إبداعية في المجتمع المسلم، فثم بدايات للنظريات، ومن يتتبع كتب أهل العلم المتقدمين يجد اللبنات الأولى لمثل هذه النظريات، وهي بدايات تطبيقية لا نظرية فحسب، فكتاب «الأموال» للإمام أبي عبيدة القاسم بن سلام جمع شتات مسائل الأموال من أبواب متعددة، وإن كانت إشكالية كتابته تركيزها على الفروع لا على الكليات وقريب من ذلك العصر سطّر يراع العلامة الكبير ابن بركة (1) كتابه (التعارف)، وهو على صغر حجه يشتمل على جملة كبيرة من الفوائد الجمة، وقد شكل الكتاب اللبنات الأولى لنظرية العرف وبعد مدة من الزمن جمع العلامة ابن السبكي والحافظ السيوطي في أشباههما جملة من القواعد المهمة المتعلقة بالعقود، وبعض القضايا الكلية التي يمكن أن تبرز جانباً من الظهور الأولي للنظريات، ولكن هذه الكتب وغيرها لا تشكل النظرية بالمعنى الدقيق المفهوم الآن، وإنما تشتمل على فوائد مهمة تقوم عليها النظريات، كما عنى المسلمون بالجوانب التي تخدم النظريات كعنايتهم بالقواعد والفروق وغيرها، والقواعد لا يقيم بنيانها الا عقل الا تسلبه سهولة الجزئيات عن دقة وصعوبة الكليات، وإنما يشكله عقل يستطيع الجمع بين الجانبين. والخلاصة من كلّ ذلك: لا يمكننا أن نغض الطرف عن جهود جبارة قدَّمها فقهاء الكبار عبر المختلفة، وإن كانت مختلفة بعض الشيء في أسلوبها، لكنها أصلب المكونات لبناء النظريات، ودورها أكبر مِمَّا جناه المسلمون من غيرهم في الحقيقة والمضمون بغض النظر عن المظاهر، على أن عدم اطلاعي على كتاب بأسلوب النظريات الحديثة لا عيباً يعد في تلك الجهود؛ لأنّ لكلّ زمان أسلوبه في رصف المعلومات في الذهن وطريقة عرضها في السطور، وربَّما اشتملت كتب التراث على زبدة النظريات من دون هذه التسمية - إذ العبرة بالمسميات لا بالأسماء ـ ولم أطلع على ذلك، أو كان ذلك في دفائن المخطوطات.

عصورهم

على أن علم أصول الفقه يمكن أن يعد نظرية للاستدلال الفقهي، وبذلك تدرج كتبه ضمن كتب النظريات، وإن كان أسلوبه يختلف عن أسلوبها؛ فهو يتضمن كثيراً من التفصيلات والمسائل الفرعية الكثيرة، ولا يقتصر نظره على الكليات.

(1) يعد ابن بركة من أكثر علماء عصره. إبداعاً في مجالات متعددة وجانب النظرة العامة مما تميز به فكره، ولذا جمع زهران المسعودي 57 قاعدة و 76 ضابطاً من خلال كتابه الجامع فقط. ينظر: المسعودي، ابن بركة السليمي ودوره في المدرسة الإباضية سلطنة عُمان: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ط 1، 1420 هـ / 2000 م)، ص 147 - 164.

(2) ينظر: ابن السبكي؛ عبد الوهاب الأشباه والنظائر (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1411 هـ/ 1991 م). السيوطي؛ عبد الرحمن، الأشباه والنظائر، تحقيق: عبد الكريم الفضيلي (بيروت، المكتبة العصرية، ط 1، 1421 هـ/2001 م)، ص 356.

63

889