النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦١٤614
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
رَبِّي قَرِيبُ تُحِيبُ} [هود: 61]، أنَّ هذه الآيات كلها تشترك في بيان غاية الحق من الخلق بيد أنَّ ومع التركيز جرى عند الحديث عنها على العبادة إما لاندراج كل ما اشتملت عليه الآيات الأخرى من الاستخلاف والنصرة وإعمار الأرض تحت مفهوم «العبادة» بعمومه وشموله، وإما لكون العبادة هي الأهم، وأنَّ كلَّا من الاستخلاف والنصرة وإعمار الأرض يعد عبادة من وجه من الوجوه. وأياً كان الأمر فإنّه لا مانع يمنع من كون غاية الحق من الخلق مركبة من عناصر متعددة أهمها وأعلاها: العبادة، إذ قال: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: 17، وقال: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك: 2]، فَاللَّهُ تَعَالى لم يخلق الكون سدى، ولم يسخّر للإنسان ما في الأرض جميعاً عبثاً، بل ليمتحنهم. كما بَيَّنَ الغاية من خلق الثقلين إذ قال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56]، فالهدف من وجود الجِنِّ وَالإِنس هو العبادة بمفهومها الواسع الشامل، وبها ينال
المُكلَّف خير الدارين، وَإِلَّا نال شر، الدارين، كما قَالَ تَعَالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 124].
بيان الغاية من بعث الرسل في قوله تَعَالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةُ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 165]، فالغاية هي إقامة الحجة على الناس، حَتَّى لا يعتذروا بعدم معرفتهم بِالْحَقِّ، أو لم يأتهم بشير ولا نذير وبَيَّنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ الهدف من بعث الرَّسُول محَمَّد صلى الله عليه وسلم، هو الرحمة لِكُلِّ العالمين، إذ قال عل: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً
للْعَلَمِينَ} [الأنبياء: 107].
الله
توضيح المقصد والغاية من الشرائع السَّمَاوِيَّة، ففي قوله تَعَالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 125، بَيَّنَ الله وَ أَنَّ الشرائع (الرسل والكتب والميزان إِنَّمَا أنزلها لإقامة نظام البشر.
التنصيص عَلَى علل عِدَّة أحكام، والحِكَم من وراء تشريعها، فكثير من العبادات نجد علتها أي: حكمتها ومقصدها، منصوصاً عَلَيْهَا، لا مستنبطة ولا مظنونة، ففي الصلاة قال تعالى: الصَّلَوةُ إِنَّ الصَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45]، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِي) [طه: 14]. وفي الزكاة قَالَ تَعَالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103]. وفي {الصوم قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. وفي الحج قال تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَةٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَابِسَ الْفَقِيرَ)
[الحج: 28].