النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦١٥

فقه الغاية ودورها في الشرع الإسلامي

د. خالد بن سعيد بن يوسف تفوشيت

615

ومنها: قوله عقب تحريم الخمر والميسر: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَيْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوةِ﴾ [المائدة: 91]، وقوله بعد آية الحجاب: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور: 30]، وقوله: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَنَعًا فَسْتَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) [الأحزاب: 153، وقوله عن القصاص: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حيوة) [البقرة: 179]، وقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: 59]، ومنها قوله تَعَالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ صِرَارًا لِتَعْتَدُوا) [البقرة: (231) وقوله: لَا تُضَارَ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: 233]، وقوله: وَلَا تُضَارُوهُنَّ لِيُضَيقُوا عَلَيْهِنَّ) [الطلاق: 6).

وفي السُّنَّة النَّبَوِيَّة ما يَدُلُّ على الاهتمام بمصالح الدارين جلباً، والتعريف بمفاسدها دفعاً، وبين المصالح والمفاسد موازنةً. ومن ذلك: النهي عن ادّخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث لأجل الدافة، ثُمَّ إباحته. ومنه: أَنَّ الدوام على العبادة الشديدة قد يكون على حساب حق النفس والأهل. ومنه حديث معاذ: إذ أمره بالتخفيف في الصلاة ومنه إباحة النظر إلى المخطوبة استثناء، مراعاة لمصلحة دوام المودة بين الزوجين. كما وازن الرَّسُول صلى الله عليه وسلم بين المصلحة والمفسدة، فقدم الأهم دفعاً للمفسدة، كما في عدم رَدُّ الكعبة إلى قواعد إبراهيم.

قال الشاطبي: إِنَّ القرآن الكريم أتى بالتعريف بمصالح الدارين جلباً لها، والتعريف بمفاسدها دفعاً لها … وإذا نظرنا إلى السُّنَّة وجدناها لا تزيد على تقرير هَذِهِ الأمور، فالكتاب أتى بها أصولاً يرجع إليها، وَالسُّنَّة أتت بها تفريعاً عَلَى الكِتاب، وبياناً لما فيه منها.

والمتتبع لأحاديث الأحكام يجد هذا واضحاً، فمثلاً قد يختلف الحكم من شخص لآخر، ومن

حال لأخرى … مراعاةً للمصالح، واجتناباً للمفاسد ونذكر على سبيل التمثيل ما يأتي: روى مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: دَفَ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الْأَضْحَى زَمَنَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ادَّخِرُوا ثَلَاثَاً ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ». فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الأَسْقِيَةَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ وَيَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: نَهَيْتَ أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ فَقَالَ: «إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا». ففي النهي عن الادخار بعد

(1) أبو اسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي: الموافقات، تحقيق: عبد. الله، دراز دار المعرفة: بيروت، 20/ 4. (2) رواه مسلم في صحيحه: انظر مسلم بن الحجاج صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت: لبنان كتاب الأضاحي، بَاب بَيَانِ مَا كَانَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الأَضَاحِيَّ بَعْدَ ثَلَاثٍ، حديث رقم: 1971، ج 3، ص 1561.