النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦١٦616
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
ثلاث مراعاة لمصلحة الجماعة القادمة، وهي سد حاجتها من الغذاء، ثُمَّ في إباحة الادخار مراعاة لمصلحة النَّاس في ما ألفوه، مع تعليم الاقتصاد بالادخار، وتعليم الكرم بالتصدق.
كان عبد
الله
بن عمرو بن العاص يبالغ في عبادته، فبلغ خبرُه الرَّسُولَ، فقال له: «أَلَمْ أُخْبَرُ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ قَالَ: إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ، قَالَ: فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ، وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقّاً، وَلأَهْلِكَ حَقّاً، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فالرَّسُول صلى الله عليه وسلم قد بَيَّنَ له ما يَتَرَتَّبُ عن تلك العبادة الشديدة من ضرر على النفس والعيال، بل أَيضاً؛ لأَنَّ مَن ضَعُف بدنه يعجز عن أداء الحقوق الخَاصَّة والعامة.
عَلَى المجتمع
حديث معاذ المشهور، إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ، وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ، فَوَافَقَ مُعَاذاً يُصَلِّي، فَتَرَكَ نَاضِحَهُ وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَادٍ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ أَوِ النِّسَاءِ، فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ، وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذَا نَالَ مِنْهُ، فَأَتَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَاذاً، فَقَالَ النَّبِيُّ الله: يَا مُعَاذُ أَفَتَانُ أَنْتَ؟! أَوْ أَفَاتِنٌ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ، وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا﴾، {وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ». فبيَّن أَنَّ الهدف والمقصد هو التخفيف، وعدم تنفير الناس، وفيه إشارة إلى أَنَّ الطاعة إذا أدَّت إلى ضياع المصالح وألحقت بالناس الضرر، خرجت عن مقصود الشارع، وأيُّ فائدة في الطاعة إذا أدَّت إلى ترك الناس لها؟» (4).
حرَّم الإسلام النظر إلى الأجنبيَّة درءًا للفساد، وحفظاً للحرمات، وَلَكِنَّهُ أباح النظر إلى المخطوبة استثناء، لاحتمال أنْ يُفضي عدم النظر إلى فسادٍ أعظم، وهو الفُرقة بين الزوجين، فقد روي عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» (5).
(1) رواه البخاري في صحيحه: كِتَاب الجمعة، تحقيق: محمد زهير دار طوق النجاة، ط 1، 1422 هـ، باب ما يكره من ترك الليل لمن كان يقومه، رقم الحديث 1153، ج 2، 54.
(2) وفي رواية: «فَتَجَوَّزَ رَجُلٌ فَصَلَّى صَلَاةً خَفِيفَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذاً فَقَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَوْمٌ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا، وَنَسْقِي بِنَوَاضِحِنَا، وَإِنَّ مُعَاذاً صَلَّى بِنَا الْبَارِحَةَ فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ، فَتَجَوَّزْتُ فَزَعَمَ أَنِّي مُنَافِقٌ … ». انظر: البخاري: كِتَاب الجمعة، باب من لم ير إكفار من قال ذَلِكَ متأوّلاً أو جاهلاً، حديث رقم: 6106، ج 8، ص 26. (3) رواه البخاري في صحيحه: كِتَاب الأذان، باب من شكا إمامه إذا طوّل، رقم حديث: 705، ج 1، ص 142. (4) عبد الرحمن صالح بابكر: دراسات تطبيقية حول فلسفة المقاصد في الشريعة الإسلاميَّة، ط 2002 م.، ص 16. (5) رواه الترمذي في مسنده، وقال: «وَفِي الْبَاب عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَجَابِرٍ وَأَبِي حُمَيْدٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالُوا: لَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا مَا لَمْ يَرَ مِنْهَا مُحَرَّماً، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَقَ».». انظر: أبو عيسى الترمذي: سنن الترمذي، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت: لبنان، كتاب النكاح عن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في النظر إلى المخطوبة، ج 3، ص 397.
هَذَا