النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦١٧فقه الغاية ودورها في الشرع الإسلامي
د. خالد بن سعيد بن يوسف تفوشيت
617
قال الترمذيُّ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: أَخرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا قَالَ: «أَحْرَى أَنْ تَدُومَ الْمَوَدَّةُ بَيْنَكُمَا»، فالباعث من النظر هو ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ من دوام المودة بين الزوجين، وهو مقصد الشارع من وراء الزواج. قال لعائشة الى: «أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟! فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ»، فأخبر صلى الله عليه وسلم أَنَّ تغيير البيت منكر قد وقع، حيث لم يكن البيت على قواعد إبراهيم، وَلَكِنَّهُ امتنع عن ذَلِكَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ من نفور العرب من الإسلام، أي أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم وازن بين المصلحة والمفسدة، فقدم الأهم دفعاً للمفسدة، فامتنع عمَّا كان يجب القيام
به
(3)
فالمقاصد والغايات والحكم والعلل قد تصرح بها آيات الكتاب الكريم، وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم المبينة له، وقد يصل إليها أهل العلم بالنظر والتدبر فيهما، فيتم تحقيق مناط الحكم وتنقيحه».
المصلحة هي غاية الغايات التشريعية
إِنَّ فقه الغاية ينعكس عطاؤه على جميع جوانب الحياة الفردية والاجتماعية، ويحقق الانسجام بين قوانين الكون ونواميس الطبيعة وسنن الله تعالى في الأنفس، وامتلاك القدرة للتعرف على الأسباب الموصلة إلى النتائج، وإمكانية المداخلة والتسخير المطلوب شرعاً.
التشريع الإسلامي لا يخلو من إقرار حقيقة مقاصدية أحكامه وتعاليمه، فهو منطو على مقاصده في الخلق وغاياته في الوجود وأسراره وحكمه في حياة الناس وأحوالهم. وقد اصطلح على تسمية تلك الغايات والأسرار والحكم بمقاصد الشريعة)، التي هي أمر ثابت وأصل مقطوع به، وحجة يقينية يجب اعتقادها والتسليم بها، ويلزم استحضارها والالتفات إليها في عملية الاجتهاد الفقهي وفي بيان الأحكام وتطويرها والترجيح بينها.
ويعد مقصد جلب المصلحة ودرء المفسدة غاية الغايات، وذلك باعتباره هو المهيمن على المقصد العام للتشريع المؤسس للحقوق العامة والخاصة في مجال المعاملات؛ مما اقتضى ضبط المصلحة المقصودة من التشريع في هذا المجال وذلك بـ ضبط تصرف الناس فيه على وجه يعصم من التفاسد والتهالك» (4).
397
(1) الترمذي، السنن، كتاب النكاح عن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في النظر إلى المخطوبة، حديث: 1087، ج 3، ص 1 (2) رواه الربيع في صحيحه: الجامع الصحيح، مكتبة مسقط، مسقط: سلطنة عُمان، ط 1، 1994 م، كتاب الحج، باب في الكعبة والمسجد والصفا والمروة حديث رقم: 410، ص (3) انظر: نور الدين السالمي: شرح الجامع الصحيح، مطبعة الأزهار البارونية، مصر، 1326 هـ، ط 1،
105
ص 198.
(4) انظر: ابن عاشور: مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق: محمد الطاهر الميساوي، دار الفجر، عُمان، الأردن، دار النفائس،
كوالالمبور ماليزيا، ط 1، 1999 م، ص 218.